بريجنسكي ـنيوزويك

ترجمة: فاروق السعد


بالنسبة الى العديد من محنكي الحرب الباردة، كان موت الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينيات يمثل لحظة سعيدة. و بالنسبة الى زبكنيو بريجنسكي الفظ و القاسي، فإنها كانت فرصة للقلق العميق. فما الذي سيحل محل تنافس القوى العظمى المحقق؟ في كتابه quot; خارج نطاق السيطرةquot; (1993)، كان قلقا من ان الولايات المتحدة المتدهورة، المادية قد تتقهقر من الفوضى المتنامية عالميا. وفي quot;رقعة الشطرنج الكبيرةquot;(1997)، كان يرثي عدم وجود جيواستراتيجية امريكية جديدة و ضع خطته الخاصة للمحافظة على الهيمنة الامريكية، و هو الموقف الذي تكرر، بهذا الشكل او ذاك، في quot;الاختيارquot; (2004).

و الان ، في quot;الفرصة الثانيةquot;، يقدم بريجنسكي ، تقييمه الى ثلاثة رؤساء قادوا السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ سقوط جدار برلين. و هو لا يجد ما يستحق المدح. فالدبلوماسي المخضرم الذي خدم كمستشار للأمن القومي في عهد جيمي كارتر، كان بريجنسكي منذ أمد بعيد quot;واقعياquot; تقليديا نادرا في السياسة الخارجية للمعسكر الديمقراطي. وكما يعتقد، لم تتمكن أي ادارة في فترة ما بعد الحرب الباردة من تطوير نموذج مناسب للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة ولترويض النزاعات العالمية المتنامية العرقية، الدينية و الاقتصادية. في quot;استمارة تقييم الرؤساءquot; لبريجنسكي، حصل الرئيس بوش الاب على اعلى درجة، فقد منح بصورة عامة Bبسبب إدارته الماهرة لانهيار الاتحاد السوفيتي، اعادة توحيد المانيا و حرب الخليج الاولى. و لكن بوش الاب كان يفتقد الى الرؤية الاستراتيجية، كما يقول بريجنسكي، ولهذا فشل في استخدام نجاحه في quot; تحويل روسيا او نشر السلم في الشرق الاوسطquot;. اما بالنسبة الى بل كلنتون، فكان له الفضل في توسع الناتو و التدخل في البلقان، و لكن بريجنسكي يعتبره ساذجا معجبا بنفسه لاعتقاده بان العولمة وحدها يمكن ان تحل العديد من مشاكل العالم الاكثر إلحاحا. و بسبب تخليه هذا عن مسؤولية الهيمنة، حصل كلنتون على C. لن يفاجأ من هو على بينة من اعمال بريجنسكي او من موقفه الذائع الصيت حول الحرب في العراق اذا ما علم بان جورج بوش الابن هو اكثر الرؤساء غباء. ان فصله عن الادارة الحالية هو بعنوان quot; القيادة الكارثيةquot; ، و هو يعطي بوش الابن Fمدوية. و لكن نغمة بريجنكسي الزلقة تتغير بشكل درامي في تلك الصفحات. ففي تقييم منفصل يعطي مجالا الى الكاريكاتير و الشجب. ان بوش في آن واحد شخص ساذج تستحوذ عليه فكرة quot;الخير و الشرquot; و مدير متشائم ، quot; يقوم بنشر الخوف وجنون الارتيابquot; لكي يكسب الأصوات. و هو مذنب ليس بسبب quot; ديماغوجيا الخوف من الاسلامquot; فحسب بل بسبب استخدام مسألة نشر الديمقراطية quot; كوسيلة مدمرةquot; الهدف منها إيجاد عذر للاستخدام المفرط للقوة. ان رصانة بريجنسكي المعتادة تخذله حتى في وصف الفشل الجلي في السياسة الخارجية لبوش. فالحرب في العراق قد أضرت بالتأكيد بالعلاقات مع بقية العالم، و لكن هل انها حقا quot; سببت ضررا مأساويا في مكانة امريكا العالميةquot;؟ قد يفكر المرء هكذا، عن طريق الحكم استنادا الى استطلاعات الرأي العالمية، و لكن الهيمنة الامريكية مازالت باقية، كما هو الحال مع استعداد بقية القوى العالمية للتعاون مع الولايات المتحدة في مواضيع مختلفة. اما بصدد الفكرة عن امريكا، فمن المؤكد بانها ستنعكس بعد عام 2008. وهنالك، اخيرا، ضيق أفق في عدم استعداد بريجنسكي لإدراك الأهداف الواسعة لسياسة ادارة بوش في الشرق الاوسط. فأمريكا، كما يكتب، quot; بحاجة الى ان تعرف نفسها بسعيها الى كرامة الإنسانية العالمية، و هي الكرامة التي تشتمل على كل من الحرية و الديمقراطية و لكنها ايضا تشمل احترام التعددية الثقافية.quot; و كما قد يشعر المراقب الاكثر حيادية بانه مجبر على ملاحظة، ان هذه هي على وجه الدقة المسائل التي طالما كررتها شعارات بوش مرارا و مرارا. و بالطبع، ان الكلام شيء و العمل شيء آخر، و ان الادارة لم تكن ابدا قادرة على المصالحة بين الاثنين. و لكن بالرغم من كل نقده لقصر النظر الاستراتيجي، الا ان بريجنسكي لا يمتلك خطة ملهمة من ذاته. ان مواهبه الواقعية تطغي على مثله، و بهذا فهو يستخلص قائمته السريعة المتعبة من النصائح، من فرض اتفاق بين الاسرائيليين و الفلسطينيين و الى إشراك الصين بشكل اكثر عمقا. ويتوقع المرء اكثر من مجرد إجابات روتينية من أستاذ على هذه الدرجة من الحرص على توزيع درجات هابطة على تلاميذه.