هدى الحسيني

هددت المؤسسة العسكرية التركية بالتدخل في الانتخابات الرئاسية، فسقط السوق المالي وتدهورت قيمة الليرة التركية، ووصف الخبراء الماليون بيان العسكر بأنه قاس وغير متوقع، وقالوا إن أي تدخل عسكري، ولو انه بعيد الوقوع، سيقضي على محاولات تركيا الانضمام الى المجموعة الأوروبية، ويكلف الاقتصاد 100 مليار دولار!

وكان متظاهرو laquo;المليون نسمةraquo; الذين ساروا في اسطنبول الأحد الماضي رددوا: لا للشريعة ولا للانقلاب.

كان يمكن لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان أن يدعو هو الآخر الى مظاهرة. وكان يمكن لأكثر من مليون شخص تلبية الدعوة، فهو زعيم يتمتع بشعبية كبيرة، وربما كانت هذه المواجهة هي ما يتطلع اليه الجيش التركي، لكن أردوغان ومنذ تسلمه السلطة عام 2002 تجنب أي مواجهة مع المؤسسة العسكرية القوية، ثم إنه رجل دولة أثبت مرونة لا مثيل لها، فهو لا يريد تدمير تركيا، أو تحدي نصف الشعب التركي.

بدأ حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; عملية اختيار مرشحه للرئاسة برغبة أردوغان في تسلم المنصب. وفي تركيا يتمتع رئيس الوزراء بصلاحيات واسعة، لكن الحكومات تذهب وتجيء. في حين أن مدة حكم الرئيس تستمر سبع سنوات، وهو يمثل السلطة المعنوية، ولديه صلاحيات تثبيت التعيينات أو حجبها، خصوصاً تعيين مديري الجامعات الذين يقررون سياسة هذه الجامعات، لا سيما في ما يتعلق باللباس (الحجاب).

بالنسبة الى الجيش التركي الذي خوله الدستور حماية الجمهورية العلمانية، فإن وصول أردوغان، الذي يعتبره متزمتاً دينياً، ويسعى الى وضع سياسة ثقافية لتركيا على شاكلته، فإن وصوله تحد لا بد من مواجهته بانقلاب.

بعد عدة أشهر من المناوشات الداخلية، والمناورات مع الجيش، اتفق حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; على اختيار عبد الله غول، وزير الخارجية، لمنصب الرئاسة. وغول بنظر أعضاء الحزب، والمجتمع التركي، والمجموعة الدولية، وحتى المؤسسة العسكرية، هو رجل معتدل وبراغماتي، وما كان يمكن للحزب اختيار رجل أفضل منه. لكن، لو تم اختيار غول قبل أشهر، ولم تتسرب أخبار عن رغبة أردوغان في الوصول الى الرئاسة، لكان تم انتخابه من الدورة الأولى، لكن الحزب بتأخره في حسم هذا الاختيار حتى أواخر شهر نيسان (ابريل) الماضي، فوّت عليه فرصة، وعجز غول عن الحصول على ثلثي أصوات النواب.

عدة أحزاب سياسية، وأكثر من 500 منظمة مدنية، طالبت بأن ينتخب البرلمان المقبل رئيس الجمهورية، وقالت ان الرئيس يجب ان يمثل كل الشعب، بدل ان يُنتخب من حزب لا يمثل أكثر من 33 بالمائة من الأصوات.

هذا كشف عن ضعف النظام السياسي المتبع، فلكي تمنع المؤسسة التركية وصول ممثلين كثر للأكراد الى البرلمان، فرضت على كل الأحزاب الحصول على نسبة عشرة بالمائة من الأصوات. وفي انتخابات عام 2002 صوت 45 بالمائة من الناخبين لأحزاب عجزت عن الحصول على هذه النسبة، وحصل حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; على 34.3 بالمائة من الاصوات، وعلى ضعف المقاعد التي تستحقها هذه النسبة في البرلمان. يضاف الى ذلك أن الأحزاب العلمانية والتي تتمسك بمبادئ أتاتورك تميز حكمها طوال عقود سابقة بسوء الإدارة، والفساد، والخلافات السياسية، وعرف الإسلاميون كيفية استغلال هذه الأخطاء وأقنعوا الرأي العام التركي بأنهم البديل الكفوء سياسياً، الذي يقبل المحاسبة، والنظيف والمتجاوب معه. ونجح حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; في القيام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية حسب ما نصت عليه laquo;اتفاقية كوبنهاغنraquo; للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، ولا يختلف اثنان بأن سنوات حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; في الحكم حولت تركيا وهيأتها لهذه العضوية. كما اعترفت أوروبا بأن البرنامج الإصلاحي الذي اعتمده أردوغان ثبّت حكم القانون في البلاد.

ما يزعج الجيش والمؤسسة العلمانية، أن أردوغان وغول ينتميان الى التربة الإسلامية نفسها، ويخاطبان بعضهما بـlaquo;الأخraquo;، والاثنان في ماضيهما كانا يشجعان على دور للدين في الحياة السياسية والعامة، كما أن زوجتي الاثنين تغطيان شعرهما، وانتخاب غول لمنصب الرئاسة يعني أن السيدة الأولى التركية ستظهر في المناسبات الرسمية بغطاء على الرأس، وهذا ما يحرمه القانون التركي في الجامعات والبرلمان والقصر الجمهوري وفي الأماكن العامة.

العلمانيون لا يحبذون غطاء الرأس، لكنهم لا يعترضون إذا كان قراراً شخصيا.

حول هذا قال غول: laquo;يجب على كل إنسان أن يحترم هذا الخيار الشخصي، فتركيا دولة ديموقراطية وعلمانية ودولة القانونraquo;.

لكن على هذا الطرح يرد العلمانيون، بأن هناك أسلوباً متبعاً، والأمر لا يتعلق بقرار شخصي، فابنة غول تضع laquo;باروكةraquo;من الشعر المستعار فوق غطاء رأسها لمتابعة دراستها الجامعية، ثم إن أبناء قادة حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; يتزوجون من فتيات يغطين شعرهن. laquo;ولو كانت المسألة خياراً شخصياً، فإننا نحب أن نرى إحدى بناتهم من دون غطاء رأسraquo;. وكانت زوجة عبد الله غول التي لم تستطع متابعة دراستها الجامعية لأنها رفضت التقاط صورة لها من دون غطاء رأس، قد رفعت دعوى ضد بلادها أمام المحكمة الأوروبية بتهمة عدم احترامها للحقوق الإنسانية، لكنها عادت وتراجعت عن الدعوى عندما صار زوجها وزيراً، لأن متابعة تلك الدعوى كان سيظهرها امرأة تلاحق حكومة، زوجها عضو فيها.

لكن، لا غطاء الرأس، ولا قوانين الجامعات تشكل أولويات اهتمام المستثمرين الأجانب بالنسبة الى تركيا، فأكثر ما يهمهم هو الاستقرار السياسي، ويريدون حكومة قوية يشكلها حزب واحد، المهم ألا تكون حكومة اتحاد وطني، لهذا بدأوا يكثرون من الأسئلة حول عدد الأحزاب التي تستطيع أن تحقق نسبة 10 بالمائة من الأصوات، إذا ما جرت انتخابات برلمانية قريبة. أكثر ما يهم المستثمرين هو الاستقرار السياسي الذي يحمي استثماراتهم.

الأمر الثاني الذي يهمهم هو أن تستمر الحكومة في اتخاذ إجراءات التقشف، ولا تصرف أموالا بطريقة عشوائية، بحيث لا يزيد العجز في الميزانية عما هو عليه.

أما ثالث ما يهمهم فهو محافظة تركيا على علاقات جيدة مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، فاحتفاظها بهذه العلاقات يعني أن علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل مستقرة.

وبغض النظر عما يتردد في تركيا، فإن الأسواق الخارجية لا ترى في حكومة حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; خطراً يذكر، وهي مرتاحة الى الضوء الخضر الذي أعطاه أردوغان للاستثمارات الأجنبية، كما أن رئاسة غول لتركيا ستسعدها.

لقد نجح laquo;حزب العدالة والتنميةraquo; في توفير الاستقرار الاقتصادي لتركيا، بمعدل نمو مرتفع ومراقبة التضخم، كما أن سياسته الاقتصادية لم تتجاهل حاجات قطاعات كثيرة من الناس، رجال الأعمال، والمزارعين، والموظفين والمتقاعدين. وإذا كان من الصعب إعادة مسار الديموقراطية في تركيا الى الوراء، إلا أن الملاحظ فعلاً هو تزايد مشاعر الوطنية التركية. ومع هذا تتمتع حكومة حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; بدعم كبير من واشنطن، وقد ينهار هذا الدعم اذا ما تدخل الجيش التركي في شمال العراق لملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردي. ولا ترى واشنطن بديلاً أفضل من حزب laquo;العدالة والتنميةraquo;، خصوصاً انه مع هذه الأزمة، لم يبرز حزب علماني قادر على أن يحقق فوزاً ساحقاً. ولأن الاستفتاءات الأخيرة أظهرت أن الذين تتضاعف لديهم المشاعر الوطنية يعترضون على السياسة الحالية للإدارة الاميركية، فإن بعض السياسيين الأتراك يقترح بأن تأخذ واشنطن عدة خطوات لتقوية علاقاتها مع تركيا، منها، أن تشركها في التعاون الإقليمي حول العراق، وأن تعالج مشكلة حزب العمال الكردي الذي يتخذ من شمال العراق مقراً ومنطلقاً لعملياته، وأن تُشرك تركيا في سياسة المنطقة ومخططاتها التي تشمل برنامج إيران النووي.

وعودة الى تحذير الجيش التركي الذي يبدو في نظر البعض وكأنه رسالة الى المحكمة الدستورية للإعلان عن عدم شرعية الدورة الأولى من انتخاب عبد الله غول في البرلمان. (وقد صدر الحكم فعلاً) بمبرر أن عدد النواب الذين شاركوا في الجلسة كان أقل من 367 نائباً. في حين يرى البعض الآخر في التحذير ان الجيش لا يريد اي رئيس ينتمي الى حزب laquo;العدالة والتنميةraquo;. لكن التجارب الماضية في تركيا أثبتت ان التدخل العسكري لا يؤمن حلولاً بعيدة المدى.

إذا صدر قرار المحكمة الدستورية بأن الجلسة الاولى أمنت نصاب الثلثين، وجرى انتخاب غول بأقلية بسيطة، فإن بعض السياسيين يقترحون على الحكومة الدعوة الى انتخابات مبكرة، لأنه لا يمكن المحافظة على الاستقرار السياسي والاقتصادي في ظل توقعات باحتمال تدخل عسكري.

وإذا جرت انتخابات مبكرة، وهذه أفضل وسيلة لتخفيف الاحتقان، فإن الحزبين القادرين على دخول البرلمان بتجاوز نسبة العشرة بالمائة، هما حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; بنسبة تقدر بـ31.6 بالمائة، وحزب laquo;الشعب الجمهوريraquo; بنسبة 14.2 بالمائة.

إن توجه الإسلاميين في تركيا نحو المشاركة السياسية ونجاحهم في تثبيت الاستقرار الاقتصادي والسياسي، إذ لا يمكن اليوم مقارنة تركيا بما كانت عليه قبل خمس سنوات، يؤكد أن الإسلام الديموقراطي يمكن أن يكون بديلاً ناجحاً ومقبولاً لحكم أصولي أو ديكتاتوري أو عسكري. وانه ليس من المطلوب ضرب كل الحركات الإسلامية، خصوصاً إذا لم تكن تدعو الى تدمير كل ما هو قائم، واعتمدت الإصلاحات الاقتصادية التي توفر الازدهار وفرص العمل وتؤمن المستقبل. إن انشغال حزب laquo;العدالة والتنميةraquo; بتحقيق التحديات الناجحة، لا بد أنه سيدفعه الى التخلي عن الأجندة المخفية المتهم بأنه يعمل على تحقيقها، وإذا كانت تلك الأجندة تكشف عن أن الإسلام لا يتناقض مع الديموقراطية، والاستقرار الاقتصادي، والانفتاح على العالم والازدهار، فما المشكلة في اعتماد مثل هذه الأجندة في بلد يشكل المسلمون 99 بالمائة من سكانه؟