بين فتح كرامي لملفّ اغتيال شقيقه وعدم تجرّؤ فرنجيّة على فتح ملف إهدن
وبين تكليف الجنرال التوتير.. وعودة quot;حزب اللهquot; من quot;استراحتهquot;

نصير الأسعد

قبلَ جريمة خطف وقتل الزيادَين قبلان وغندور بأيّام قليلة فقط، فوجئ اللبنانيّون بالرئيس عمر كرامي يعلنُ نيّته الطلب من الأمم المتّحدة ضمّ ملفّ جريمة إغتيال شقيقه الرئيس الشهيد رشيد كرامي الى التحقيق الدوليّ وإلى ولاية المحكمة الدوليّة العتيدة.


مفاجأة كرامي: استحضار أجواء الحرب
ومصدرُ المفاجأة ليس كون كرامي تأخّر كثيراً في الإفصاح عن هذه quot;الرغبةquot;، لكنّ المفاجأة تأتّت مِن كونِه يفترحُ عملياً العودة الى ما قبل جريمة محاولة إغتيال الوزير مراون حمادة في الأوّل من تشرين الأوّل 2004، أي انّ quot;اقتراحهquot; يؤدّي الى فتح ملفّات الجرائم التي ارتكبت في عقود سابقة.
وبكلام آخر، فإنّ ما أعلنه عمر كرامي يناقضُ تماماً ما كانَ متّفقاً عليه بين quot;قوى طاولة الحوارquot; وداخل مجلس الوزراء لجهة حصر ولاية التحقيق الدوليّ في نطاق الجرائم التي quot;بدأتquot; بمحاولة إغتيال حمادة.. ولم تنتهِ بعد، أي انّ ما أعلنه يناقضُ ما كان تمّ الاتفاق عليه لطمأنة quot;حزب اللهquot; الى انّ التحقيق الدوليّ لن يستهدفه في قضايا حصلت في عقد الثمانينات من القرن الماضي وجرت نسبتُها إليه، لا سيّما تفجير المارينز الأميركيّ.
في quot;المبدأquot;، يفترض ألا يكون كرامي جاهلاً بهذه المعطيات التي تجعل quot;رغبتَهquot; غير قابلة للصرف، ولا تودّي إلا الى quot;إزعاجquot; حليفه quot;حزب اللهquot;. بيدَ انّ إقدامه على هذا الطرح بالرغم من كلّ شيء، لا بدّ أنّه يندرج في سياق إستهدافات quot;سياسيّةquot; مباشرة، وبطلب سوريّ بحسب معلومات متقاطعة. وأهمّ هذه الاستهدافات إثنان: الأوّل هو بلا شكّ استحضار أجواء الحرب الأهليّة في سياق التحريض على فاعليّة أساسيّة في تحالف 14 اذار هي quot;القوات اللبنانيةquot;، والثاني هو بلا شكّ أيضاً المشاغبة على المحكمة الدوليّة عبر محاولة تصويرها على انّها معنيّة فقط بجرائم تعني فريقاً واحداً من اللبنانيين، بغاية quot;مساعدةquot; النظام السوريّ على التملّص من المحكمة.


سليمان فرنجيّة: عدم القدرة
الآن، مِن الواضح انّ محاولة كرامي لم تُفضِ الى نتيجة.. ولم يمكن ممكناً أن تصل الى نتيجة. غيرَ انّ ما لفت في هذه الأثناء، هو انّ الوزير السابق سليمان فرنجيّة لم يلاقِ حليفه كرامي، ولم يُعلن نيّته فتح ملفّ جريمة إغتيال والده الشهيد طوني فرنجيّة وعائلته، مع انّ سليمان فرنجيّة يتقاطع مع كرامي في الخطاب المستحضر للحرب الأهليّة، وفي محاولة إثقال الحقيقة في جرائم الاغتيال منذ 2004 بملفّات عدّة.
والحال هنا انّ فرنجيّة لا يجرؤ على فتح ملفّ جريمة إهدن. سيقولُ سليمان انّه أسقطَ حقّه الشخصيّ وإنّه عفا في فترة سابقة عن المتهم. وهو فعلَ ذلك في الواقع. بيدَ انّ الأمرُ يتجاوز quot;الشهامةquot; الى السياسة. فقد أثبتت التحقيقات القضائيّة التي جرت في منتصف التسعينات مع أحد الموقوفين آنذاك، انّ من نفّذ الجريمة النكراء في إهدن ليس سمير جعجع، وقد سمّى الموقوف يومَها شخصاً آخر إرتبط معه سليمان في فترة لاحقة بتحالف سياسيّ في اطار الوصاية السوريّة المنفّذة على لبنان في تلك الحقبة.
لذلك، لا يستطيع سليمان فرنجيّة التهديد بإعادة فتح ملفّ الجريمة لأنه لا يستطيع حتّى مجرّد التحريض على جهة سياسيّة محددّة. وبكلام آخر، إذا كان الحليفان كرامي وفرنجيّة لا يستطيعان الوصول الى نتيجة من محاولة تحريك ملفّات quot;سابقةquot; في وجه المحكمة الدوليّة quot;الحاليّةquot;، فإنّ الفارق بينهما هو انّ الثاني لا quot;يرغبquot; في فتح الباب أمامَ ما يؤدّي الى محاكمته سياسياً. بمفعول رجعيّ، أي الى محاكمة سياسته وتحالفاته في مرحلة الوصاية السوريّة.
انّ المقصود قوله مِن خلال هذه المقدّمات هو الآتي: قبلَ جريمة خطف وقتل الزيادَين المستهدِفة إحداث فتنة أهليّة، كانت محاولة سوريّة عبر عمر كرامي لاستحضار أجواء الحرب الأهليّة مِن مدخَلين، أوّلهما التحريض على quot;القوات اللبنانيّةquot;، علّ هذ التحريض يؤدّي الى زعزعة تحالف 14 تحالف 14 آذار وإلى هزّ تماسك الجناحَين المسلم والمسيحيّ في إطار هذا التحالف، وثانيهما جعل quot;حزب اللهquot;، الذي فتح إعلامه للتحريض على quot;القوّاتquot; وسمير جعجع، في موقع أكثر هجوميّة وهو quot;المستريبquot; أصلاً من انّ المحكمة الدوليّة سوف تعود الى الوراء quot;حتماًquot;.. علماً انّ ذلك غير صحيح.
المحطّة الثانية: جريمة قتل الزيادَين
إذاً، كانَ ما سبقَ جريمة خطف وقتل الزيادَين محطّة في مسعى سوريّ الى الفتنة في لبنان، لم يستطع سليمان فرنجيّة إيجاد مدخله quot;الخاصquot; للإنضمام الى هذه المحطّة من المسعى السوريّ.
وبهذا المعنى، كانت جريمة الخطف والقتل محطّة أخرى أكثر شراسة وخطورةً. فقد خطّط النظام المخابراتيّ لها كي تُحدث فتنة quot;فوريّةquot;، وكي تندلِع أحداث أمنية عنفيّة.
جاءت النتيجة المنتظرة سوريّاً مغايرة تماماً. بادرت الجهة السياسيّة المستهدفة مباشرةً، أي وليد جنبلاط وحركة 14 آذار، الى quot;استيعابquot; الفتنة والى quot;لجمquot; ردود الفعل، مما فرض بشكل من الاشكال على أطراف اخرى أخذ مبادرة جنبلاط و14 في الاعتبار ولو ظرفياً، ومما أدى الى نوع من التهدئة. تهيّب الفرقاء الوضع فاجتنبوا مخاطره مؤقتاً.
انقلبت أهداف الجريمة ضد النظام المخابراتي. ومع ذلك حاول وبعض اتباعه ليومَين التحدث عن quot;إنعطافquot; في سياسة وليد جنبلاط، وعن خلاف يعصف داخل 14 آذار. لكن الحقيقة كانت اوضح من ان يجري تزويرها. وquot;حزب اللهquot; الذي quot;واكبquot; أيام الجريمة حتى تشييع الشهيدين بكلام سياسي quot;هادئquot; عاد ليقرن quot;الهدوء الشكليquot; بمواقف سياسية حادة في المضمون، لكن الفجور السياسي تُرك لغيره.


دور الجنرال وتوقيته
هنا، جاء دور الجنرال ميشال عون. فلما كان مطلوباً الا تدوم التهدئة طويلاً، ولما كان مطلوباً إستئناف تحمية الصراع السياسي، ولما كان مطلوباً قطع الطريق على أيّ مبادرة سياسية تنطلقُ مِن تهيّب كل الفرقاء حيال الفتنة لتعيد فتح ابواب الحوار السياسي، ولما كان مطلوباً استعادة التوتر، فقد جرى تكليف الجنرال سورياً بهذه المهمة.
لذلك، وقبل quot;مضمونquot; كلام عون، فان ما يجب التنبه منه هو التحريض بهدف إسقاط التهدئة وإسقاط اي امكانية لمبادرة سياسية ما. اما في quot;المضمونquot; فحدّث ولا حرج. فالجنرال يرفض الحديث عن quot;وحدة المسيحيين في ظل نظام ديموقراطيquot;، ويعتبر quot;الدعوة الى وحدة المسيحيين دعوةً الى التحريضquot;، لكنه يرى ان quot;من يستمر في التكلم عن الانقسام المسيحي متآمرquot; (!). وهكذا فان الجنرال ضد وحدة المسيحيين وضد الحديث عن انقسامهم في آن. وفي الوقت نفسه يقول ان quot;الديموقراطية تفترض وجود رأيين على الاقل.. وهل يجب ان تكون كل طائفة طابة واحدة؟quot;. لكنه يسارع الى تقديم quot;نظرية جديدةquot;: الإجماع يمثّل في رأيه منطقاً ديكتاتورياً، غير انه يتحدث عن quot;أقصى درجات الإجماع الديموقراطيquot;، ليقول ان هذا الاقصى quot;هو الثلثين ومن يملكهما يمكنه تغيير النظامquot;. إذاً ثمّة إجماع ديكتاتوري وثمة اجماع ديموقراطي (!). ويضيف ان quot;السياسة ليست بورصة نشتري فيها ونبيع متى نشاءquot;، ملاحظاً ان quot;الثقة وكالة تعطى للنائب ليمثّل الموكّل حتى موعد الانتخابات الجديدةquot;، لكنه يستدرك ليقول quot;اذا كان هذا التمثيل لا يعجبهم لينظموا انتخابات مبكرةquot;. اما ان تقبلوا انني الزعيم المسيحي بـquot;الإجماع الديموقراطيquot; وإما انتخابات مبكرة، ولكل من الحالتين نظرية جاهزة (!).


.. اسقاط النظام
على ان quot;فلسفة الديموقراطيةquot; ليست أهم ما يلفت في كلام الجنرال، وهو ليس معروفاً بصفته مفكراً او فيلسوفاً. فها هو يذهب الى المطالبة بانتخاب رئيس الجمهورية quot;لمرة واحدةquot; مباشرة من الشعب. وquot;الطريفquot; انه يصل الى هذه المطالبة بعد محاولة إستمالة المسيحيين ومحاولة العزف على quot;وتَرquot; مسيحيّ على امتداد كلامه كله. وهنا، غنيّ عن القول ان مطلب عون هو تعديل الدستور لتغيير النظام، وان هذا الطلب ليس مسيحياً ولا يمكن ان يكون، وهو ليس مسيحياً بالتأكيد لانه يُخضع انتخاب الرئيس لـquot;قانون العددquot; اي انه يجعل الرئيس بما هو رمز الشراكة المسيحية رهناً بقرار الاكثرية العددية مما يعني إسقاط اتفاق الطائف وما يتضمنه من ضمانات للشراكة الوطنية.
إذاً، ان تدقيقاً جدياً في الخطاب العوني الأخير يسمح باستنتاج ان الجنرال يعتمد نهجاً يقودُ الى مشكلة مسيحية ـ مسيحية اي الى رافد آخر من روافد الفتنة، ويقودُ الى اسقاط مرجعية العيش المشترك والشراكة الوطنية والنظام السياسيّ أي اتفاق الطائف ودستوره.. وكل ذلك من أجل ان يكون هو رئيساً للجمهورية quot;لمرّة واحدةquot;، علماً ان السير في طلبه يعني التأسيس لصيغة لانتخاب الرئيس quot;لكل المرّاتquot; وليس quot;لمرّة واحدةquot;.
كان معروفاً حتى الآن ان الجنرال quot;عبثيquot; لا بل quot;انتحاريquot; كما يُستنتج من quot;تاريخهquot; في العمل السياسي. لكن ما يجب إضافته الآن انه وبتكليف سوري لا يتورع عن محاولة جرّ البلاد الى الفوضى على أنواعها.


quot;حزب اللهquot; يعود الى التصعيد بعد استرحة quot;قصيرةquot;
وإذا كان لا بدّ من تلخيص، فان ما يمكن قوله هو ان ثمة محطات تتوالى ضمن خطة النظام المخابراتي السوري. محطة التشويش على المحكمة الدولية عبر إستحضار أجواء الحرب الاهلية quot;السابقةquot; بواسطة ما أعلنه عمر كرامي ولم يعلنه سليمان فرنجية. ثمّ محطة استدراج الفتنة مباشرةً عبر جريمة الخطف والقتل. ثم محطة دفع الجنرال الى إسقاط النظام ومرجعيته في الطائف والدستور. وكل ذلك لمواصلة مخطط اسقاط الحكومة والنظام السياسي والدولة.
عندَ هذه المحطة، وحيثُ من الواضح ان المكلفين سورياً هم الحلفاء المباشرون للنظام السوريّ، يبدو في الأيام الماضية بعيداً مِن ملاحظة من يَصرخ أكثر في إطار تحالف ما يسمّى quot;المعارضةquot;، انّ quot;حزب اللهquot; الذي يواصل سياسة تعليق المعالجة السياسيّة في إنتظار ما ستؤول إليه الأزمة الايرانيّة shy; الأميركية shy; الدوليّة، وفي ظلّ الضغط الذي يمارسه النظام السوريّ لإدخال لبناني في مرحلة متفجّرة سواء ذهبت الأزمة الايرانيّة shy; الدوليّة باتجاه المواجهة أو التسوية، قد عاودَ shy; أي quot;حزب اللهquot; shy; تصعيده السياسيّ، ملوّحاً بإمكان قيام حكومة ثانية.. أي بالفوضى الدستوريّة التي سيعزّزها منع حصول الاستحقاق الرئاسيّ في موعده الدستوريّ الطبيعيّ.


الإستنتاج
إذاً، في الأيّام القلية الماضية، أسقط النظام السوريّ وحلفاؤه التهدئة المفتوحة على إمكان تجدّد حوار quot;ماquot;، وها هو البلد مجدّداً في مناخ من التوتير المنتظر تصاعدُه.
هذا الاستنتاج لا ينفي بمفعول رجعيّ الحكمة التي أدّت بها حركة 14 آذار حيالَ جريمة الأسبوع الماضي، ولا يستدعي إعادة نظر في السياسة التي تتبعها الحركة الاستقلاليّة. انّه فقط يتطلّب تجديد الانتباه، وسيلاً من المبادرات التي وإن لم يلتقطها الفريق الاخر فإنّها تُحرجه وتكشفه، ويتطلّب أيضاً مزيداً من التواصل مع الناس من أجل شرح ما يقوم بهل كّل طرفٍ مِن أطراف ما يسمّى quot;المعارضةquot; إلتزاماً بما يخطّطه النظام المخابراتي ضدّ مصلحة لبنان