طوني فرنسيس
تكمن جذور الانقسامات في السياسة والمصالح وعندما يتوافر لها السند الديني أو الطائفي والمذهبي laquo;العقائديraquo; فإنها تنتعش بقوة ليصبح السباق بين العنف الغرائزي والتسويات العقلانية أمراً محتوماً.
قدمت بلفاست الإرلندية الشمالية نموذجاً قبل ان ترتفع جدران الاعظمية في بغداد، وفي لبنان الذي يفترض أنه مرّ في التجربة عبر تاريخه الطويل، بقي تهديد الانقسامات ماثلاً، خصوصاً اذا توافر له الدعم الخارجي وغالباً ما كان هذا laquo;الدعمraquo; متوافراً.
اتخذت الانقسامات السابقة طابعاً إسلامياً ndash; مسيحياً، وعندما أزفّ موعد التسوية تُرجم اتفاق الطائف في صيغة جمهوريات لبنانية متحدة مستعدة للانفجار في أي لحظة يختارها قادة الطوائف والمذاهب.
الا ان انضباطاً أمنياً ساد طوال سني التنفيذ الطائفي ndash; المذهبي لـ laquo;الطائفraquo;، وضمن هذا الانضباط يدٌ استخباراتية حديد حددت لكل طائفة ومذهب مرجعية وفرضت، استناداً الى نص التسوية نفسه، التحاقاً laquo;قطيعياًraquo; من جانب جمهور كل مذهب وطائفة بالسادة الذين نُصّبوا أولياء أمر.
وتحول لبنان بسرعة الى جمهورية بثلاثة رؤوس، كل رأس منها قادر على شل الدولة، اتفاقهم رهن اشارة ولي الأمر الكبير واختلافهم ايضاً، في الاتفاق تهدأ الامور وفي الاختلاف ينقسم الجمهور، وفي الحالين يكون لولي الأمر الكبير المصلحة والقدرة على اعادة الأمور الى نصابها.
والخلاصة ان مشاعر التمايز والخوف من الآخر والتحفز للإنقضاض عليه كانت تنمو كنار تحت الرماد، وعندما بدأ موسم القتل والاغتيال كان كل شيء جاهزاً لدفع احتياطات الحقن الطائفي والمذهبي الى سوق الصراع.
الا ان الجمهور الذي شارك حضوراً وأداء في مسرح الحروب اللبنانية بدا أكثر وعياً من بعض قادته، ولا يجوز إنكار ان قيادات أساسية بدت حريصة على عدم اختراق جدران الموقف السياسي الى نصب جدران الانقسام المادية. واعتقدت المعارضة اللبنانية ان بتركيبتها المتنوعة و laquo;جهوزيةraquo; جمهورها يمكنها توجيه ضربة قاضية لخصمها في السلطة، وهي كانت تأمل حصول ذلك في اليوم الأول للتظاهر والاعتصام، غير ان laquo;الجدران المذهبيةraquo; سرعان ما ظهرت لترسم حدوداً للعبة التي أرادت لتنوع الديكور المعارض ان يكون غطاء لأهدافها السياسية، وفي محطة الاعتراض التالية التي أريد لها ان تكون حاسمة كان على laquo;المعارضة المسيحيةraquo; ان تقوم بدور رأس الحربة لتقويض ما فات يوم انطلاقة laquo;الثورةraquo;، الا ان اعتراضاً laquo;شعبياًraquo; من الصنف نفسه وأد المحاولة وأعاد الجميع الى الحدود الداخلية المرسومة في انتظار ممل وعاجز لما سيقول الخارج ويفعله.
كان السؤال الذي بدأت محطات الاعلام وأوساط الديبلوماسيين في طرحه هو: هل يتجه لبنان الى laquo;العرقنةraquo;؟ وكان جواب المتفائلين نتيجة laquo;موازين الرعبraquo; القائمة ان لبنان سبق ان جرّب laquo;العرقنةraquo; قبل العراق بثلاثين سنة، والآن على العراقيين ان يعيدوا دراسة التجربة اللبنانية من أجل أنفسهم أولاً ومن أجل اللبنانيين ثانياً ولخدمة laquo;هواة النوعraquo; في العالم العربي ثالثاً.
منذ اندلاع الحروب اللبنانية أو الملبننة في مطلع سبعينات القرن الماضي، كان اختلاط السياسي بالطائفي وبالمذهبي وبالمناطقي سمة من سمات الجدران الفاصلة وخطوط التماس والطرق الآمنة.
فخط التماس الشمالي فصل بين قوى من طائفة واحدة هي الطائفة المسيحية، ولم يتول رسمه الفارق الديني بل المدى الذي وصل اليه الجيش السوري في تقدمه laquo;الردعيraquo; اثر اغتيال طوني فرنجية نجل رئيس الجمهورية الأسبق الراحل سليمان فرنجية ووالد الوزير السابق سليمان، وفي قلب العاصمة كان على خطوط الفصل أن تستقر على مدى أكثر من 15 عاماً، ليس بسبب توازن القوى بين الميليشيات المحلية المتصارعة فقط، بل لأن حسابات الطرف الفلسطيني القوي في حينه ثم حسابات الطرف السوري الراعي للصراع لم تكن تسمح باختراقات كبيرة لمصلحة الطرف المسلم (الوطني) في مواجهة الطرف المسيحي (الانعزالي).
وفي مرحلة قصيرة تلت الاحتلال الاسرائيلي وخرج اثناءها الجيش السوري في بيروت، قادت المعارك بين laquo;الاطراف الوطنيةraquo;، بين حركة أمل (الشيعية) من جهة والحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الشيوعي من جهة أخرى يدعمهما ضمناً تعاطف أبناء المخيمات الفلسطينية وغالبية بيروتية (سنية) الى رسم خطوط تماس من نوع آخر، لم يكن ينقصها سوى جدران فصل أستعيض عنها في بعض الزوايا والمفترقات بستائر من القماش الى جانب السواتر الترابية أو الخرسانية.
وربما كان ذلك البداية المدوية للانقسام laquo;المذهبيraquo; في العاصمة الذي سيجد امتدادات له في المناطق المحاذية جنوباً وشرقاً.
وفي تلك الفترة (1984 ndash; 1987) تبلورت فكرة laquo;الضاحية الشموسraquo; مقابل laquo;بيروت الغربيةraquo; التي كان عليها أن تحتضن laquo;حرب المخيماتraquo;، قبل ان تتقاسمها الميليشيات ذات الطابع المذهبي، من دون أن تتمكن علمانية اليساريين من اضافة فسحة تواصل على صراع قوى دفعت ماضيها وموروثاتها الى مقدم المعركة من أجل التسلط أو السلطة الموهومة.
هكذا ولدت laquo;الطرقات الآمنةraquo; في قلب بيروت من حي الوتوات الى الجامعة العربية مروراً بالزيدانية والظريف، خطاً سالكاً ومريحاً لـ laquo;السنّةraquo; و laquo;الدروزraquo;، ومن أطراف الحمرا الى الروشة فالساحل الجنوبي مناطق آمنة لـ laquo;الشيعةraquo;، أما خط الأوزعي فقد تحوّل في حينه الى laquo;أطول كمين في العالمraquo; بالنسبة الى خصوم الحركة laquo;الشيعيةraquo; التي تولت بمساعدة خصومها التمهيد لعودة سورية الى العاصمة اللبنانية بعد اخراجها قسراً نتيجة الإجتياح الإسرائيلي في العام 1982.
كان يمكن لحوادث مثل حوادث الجامعة العربية مطلع العام الجاري أن تقود الى خطوط فصل وجدران مماثلة لو لم تتوافر بقية ارادة داخلية وعربية (سعودية ومصرية خصوصاً) تلاقت مع مصلحة ايرانية وحرص دولي على منع الانفجار في لبنان.
غير ان الانتظار وعدم ملاقاة الداخل لمناخات الخارج الملائمة سيزيد الأمور سوءاً. لقد دخل laquo;الكيان اللبنانيraquo; تجربةً قد تكون الأخطر في تاريخه، فالمشهد القائم يستبطن ربطاً مذهبياً لفئات لبنانية أساسية بامتداد خارجي لا يقف معناه عند حدود المصالح السياسية المباشرة، بل يتعداها الى الغاء الحدود الكيانية في معركة يختلط فيها التاريخ بالجغرافيا وبقضايا الدين والآخرة.
صحيح ان الارتباطات والارتهانات الخارجية ليست غريبة عن تاريخ الخلافات اللبنانية، غير أن سقف هذه الخلافات كان محكوماً في الماضي بـ laquo;مقتضيات الصراع القومي العربي ndash; الصهيونيraquo;، وموقع لبنان في هذا الصراع.
الأمر يختلف الآن فالبعد الديني والمذهبي يأخذ منحى مغايراً تصبح معه العناوين السياسية المباشرة في مرتبة متدنية وراء أهداف تتجلبب بأغطية أسطورية ومطامح ومطامع دفينة لن يكتشف الناس فحواها إلا بعد أن يتحولوا وقوداً لحروبها.
اختار جمال باشا ساحة البرج مكاناً لتنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق عدد من وجوه اللبنانيين المطالبين باستقلال لبنان وبلاد العرب، وليلة القتل لم يكن يسمع على بلاط الساحة سوى وقع أقدام الجنود، كانت الساحة مكاناً لالتقاء الناس في النهار، من كل الأحياء والطوائف والمذاهب، وفي الليل صلة وصل جاهزة لاستعادة دورها في صبيحة اليوم التالي، حيث كان على الجميع القدوم لمتابعة اشغالهم ولإلقاء نظرة في ذلك اليوم على الشهداء المعلقين على أعواد المشانق.
في الإعدام وحّد الجنرال العثماني اللبنانيين، مع أنه على الأرجح لم يُفكّر في الأمر من هذه الزاوية.
... أما في نيويورك فقد بنى المستوطنون الألمان الجدار laquo;وول ستريتraquo; لحماية أنفسهم من المستعمرين البريطانيين. لاحقاً صار laquo;وول ستريتraquo; نقطة التقاء لكل العالم... هل يعني كل ذلك شيئاً؟













التعليقات