دrlm;.rlm; رفعت السعيد


فيما أقلب في بعض كتبي القديمة عثرت علي كتاب نشره سليم قبعينrlm;(1906)rlm; عنوانه حكمة النبي محمد للفيلسوف تولستويrlm;.rlm; والكتاب مترجم عن اللغة الروسية بلغة سهلة ومتقنةrlm;.rlm; لكن أهم ما لفت نظري في كتابات تولستوي عن الإسلام هو أنه احترم هذا الدين لأنه دين يحترم وينتمي إلي العقل والعلمrlm;.rlm; وقد لخص تولستوي هذا الانتماء في عبارة تستحق أن نتأملهاrlm;:rlm; فالإسلام يري أن العقل لا يتناقض مع الحقيقة وأن الحقيقة لا تتناقض مع العلم وأدهشني أكثر أن تولستوي قد اختار من الفقه الإسلامي عبارتين إتخذهما أساسا لاحترامه لهذا الدينrlm;.rlm; أما العبارة الأولي فهي آفة العلم النسيانrlm;,rlm; أما ضياعه فيكون إذا تحدث به من لا يعلمrlm;,rlm; أما العبارة الثانية فهي آفة الدين فقية جاهل وإمام جائر وإفتاء بغير علمrlm;.rlm;

تأملت هذه الصفحات القديمة وتساءلت ماذا لو عاش تولستوي في زمانناrlm;,rlm; وماذا لو رأي ما نري من إفتاء الجهلة ورفض العلم وتجاهل العقل وهي أمور تموج بها حياتنا في كل يومrlm;,rlm; وكل ساعة؟ وسألت نفسي ماذا لو أنه طالع ما نطالع الآنrlm;,rlm; وعاني مانعاني؟ وتتداعي حوادث وحكايات ومواقف تستجلب البكاء علي حالنا قبل أن تستجلب السخط أو السخريةrlm;.rlm;

ففي السودان وعندما أصبح الافتاء مباحا بل مستباحا وتربع علي عرشه بعض ممن يدعون معرفة الفقه تقدم واحد من الشيوخ بمشروع لحل المشكلة الاقتصادية ومضاعفة الانتاج في مختلف المجالات عن طريق تسخير الجانrlm;!rlm; وعندما أقام عدد من السياسيين السودانيين تنظيما طلابيا تحت اسم الجبهة الدبمقراطية أصدر عدد من الشيوخ فتوي بعنوان فتوي بتحريم الانضمام لتنظيم الجبهة الديمقراطيةrlm;,rlm; وأفعالها الكفرية وواجب المسلمين نحوها كفروا فيها الخصوم السياسيين للنظام وأكدوا أن الدعوة للديمقراطية أو الاشتراكية أو غيرها من المذاهب الهدامة كفر ضالrlm;,rlm; أكفر من كفر اليهود والنصاريrlm;,rlm; وكل من ساعدهم علي ضلالهم كافر أيضا وإذا كان المنتمي إلي هذه المذاهب والأحزاب الجاهلية يؤكد أنه مسلم فهذا من قبيل النفاق الأكبرrlm;.rlm;

أحدثت هذه الفتوي هزة خطيرة في السودان فقد طال رذاذها مثقفين ومبدعين وسياسيينrlm;,rlm; كما طال المسيحيين في شمال السودان وجنوبهrlm;,rlm; ولكن الخطير في الأمر هو أن البعض صدق هذه الفتوي وقام بتنفيذها بالفعلrlm;.rlm;

وطالعت كتابا ممتعا عنوانه الإسلام والعلم ـ الأصولية الدينية ومعركة العقلانية المؤلف باكستاني برويز أمير علي بهائي أما صاحب المقدمة فهو البروفيسور محمد عبدالسلام الحائز علي جائزة نوبل في الفيزياءrlm;,rlm; وتكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يتحدث عن معركة الدفاع عن العلم والعقل ضد حالة من الجهل والجهالة أوشكت أن تطيح بالممكنات العلمية التي منحت باكستان فرصة امتلاك السلاح النووي لتحقق أمنها عبر ضمان توازن عسكري مع جارتها الهندrlm;.rlm; ولعل هذا هو بالتحديد ما دفع الدكتور محمود خيال الأستاذ بطب الأزهر إلي ترجمته ترجمة بديعة وواعيةrlm;.rlm;

ولنبدأ بمقدمة صاحب نوبل الذي يفاجئنا ومباشرة بعبارة حادة تقول لاشك أن العلم أضعف ما يكون اليوم في المناطق الإسلامية وذلك مقارنة بمختلف الحضارات المعاصرةrlm;,rlm; ولم يعد مقبولا إغفال ذلك أو الاستهانة بهrlm;,rlm; حيث أصبحت الحياة الكريمة للمجتمعات المعاصرة مرتبطة ارتباطا مباشرا بمدي قوتها العلمية والتكنولوجية ويمضي صاحب نوبل إن الأصولية العقائدية بالاضافة إلي روح عدم السماحة هما من أهم عوامل قتل مسيرة الازدهار في الإسلامrlm;.rlm; ولعل من شروط ازدهار العلم وتقدمه وجود تجمع عددي مناسب من العلماء يشكل مجتمعا علميا قادرا علي العمل في صفاء وهدوء وبدعم كامل من بنية تحتية حرة تمده بما قد يحتاجه من اختبارات وتجارب وقراءاتrlm;,rlm; ويحتاج كذلك إلي التمتع بمطلق الحرية في إبداء رأيه في المناقشات المفتوحة وفي نقد الآراء الأخريrlm;,rlm; وهذه المتطلبات غير متوافرة في عديد من المجتمعات الإسلامية المعاصرة ويؤكد أن المنهج العلمي قد يوفر الأسلوب الوحيد لإعادة الحياة للعلم الحقيقيrlm;,rlm; كذلك الحال بالنسبة للديمقراطيةrlm;,rlm; فالمنهج الديمقراطي هو الذي يعززهاrlm;.rlm;

ولعله من المفيد أن أشير إلي جملة تخص مصر وردت في مقدمة صاحب نوبل الباكستاني والجملة تقول في حين أن مصر تمتلك عددا كبيرا من العلماءrlm;,rlm; إلا أن المعايير العلمية المصرية متفاوتة ومتواضعة بدرجة كبيرةrlm;,rlm; باستثناء بعض المجالات الهندسية والتكنولوجية البسيطةrlm;(rlm; صrlm;15)rlm; ولست أعرف مدي دقة هذا التقييم لكنني آثرت أن أشير إليه لعله يثير بعضا من الحراك في الحالة الراكدة المسماة بالبحث العلمي في بلادناrlm;.rlm;

ونمضي سريعا عبر صفحات ممتعة لكننا نتوقف أمام العبارات الأولي من الفصل الأول المعنون الإسلام والعلم هل هما متوافقان؟ ونقرأ لنتخيل سويا أن فريقا من علماء الانثروبولوجياrlm;(rlm; علم الإنسانrlm;)rlm; من كوكب المريخ قد قام بزيارة لكوكب الأرض فيما بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلاديينrlm;(800-1200rlm; مrlm;)rlm; وانصبت مهمتهم علي دراسة النواحي الحضارية وتطور مختلف مناحي الحياة للإنسانrlm;.rlm; فلابد أن ملاحظاتهم سوف تكشف عن أن بعض المجتمعات في حركة ديناميكية نشطة وفي تطور واعد نحو أشكال حضارية أرقي وأسميrlm;,rlm; علي حين يتميز غيرها بالسكون والخمول وتبدو معاقة ومقيدة بالتقاليد والخرافاتrlm;.rlm; وفي التقرير المقدم من بعثة زوار الفضاء إلي مقر قيادتهم نجدهم يسجلون أن الحضارة الواعدة هي الحضارة الأسلامية بما تمكله من بيت الحكمة والمراصد الفلكيةrlm;,rlm; والمستشفيات والمدارسrlm;,rlm; وتبدو بغداد بمن يؤمها من الدارسين من كل بقاع الأرض كألمع نقطة علي سطح الكرة الأرضيةrlm;,rlm; في المقابل نجد أوروبا تبدو بربرية ومتخلفة وغارقة في ظلمات العصور السوداءrlm;.rlm; ثم يمضي المؤلف ليتصور المفارقة إذ تصل ذات البعثة الآنrlm;.rlm;

أما السبب فهو نحنrlm;.rlm; ويقول المؤلف لقد فقدت الحضارة الإسلامية بشكل شبه كامل قدرتها وعزمها علي صناعة العلم منذ حواليrlm;700rlm; عام وهكذا فإن التوقف عن التفكير العلمي والعمل المنفتح في حقول العلم المختلفة قد قادنا جميعا إلي الخلفrlm;,rlm; ولعله من المثير للدهشة أن البعض يبدو سعيدا بهذا التخلف العلمي الذي يقتادنا إلي التخلف في كل شيء معتقدا أن العلم يساعد علي استجلاب التأثيرات الفاسدة للمدنية الحديثةrlm;.rlm; والحقيقة أن العلم الحديث ليس كالعلم في زمن ازدهاره البغداديrlm;,rlm; حيث كان الحديث العلمي مجرد متعة ذهنية تتردد في ردهات قصور الرشيد والمأمونrlm;,rlm; أما الآن فإن العلم شئنا أم لم نشأ هو الوسيلة الأساسية لتحقيق الرخاء والتقدم والوفرة والقوة العسكريةrlm;..rlm; العلم هو ثمرة من ثمار العقلrlm;,rlm; والعقل كيان لا يمكن تقييد بعضه وإطلاق بعضهrlm;.rlm; بمعني أنه لا يمكن حرمان العقل من حرية الفعل والقول والتعبير والتفكير ثم نطلب منه أن يبدع وأن يخترع وأن يحقق التقدم في أي مجال من المجالات العلميةrlm;.rlm; كذلك فإن إدعاء بعض القوي وبعض مدعي الفقه بأن ما يتمسكون به من جهل وجهالة هو من الإسلام بينما هو مجرد تأسلم هذا الادعاء أعاق العلم الحقيقي المنطلق عبر أدوات منطقية
تبني نفسها عبر تسلسلها وعبر التجربة واحترام معطيات العقل والمنطق العقلانيrlm;.rlm; ولكن أولي خطوات تعلم علم المنطق تقول من غير المنطقي أن تستخدم المنطق لفهم أوضاع غير منطقية فكيف؟ ومتي تنتهي الأوضاع غير المنطقية؟

ويبقي أخيرا أن نوجه التحية إلي المترجم المبدع وإلي المشروع القومي للترجمة الذي أهدانا هذا الكتاب الذي أعتذر فأقول إنه قد تاه بعيدا عن أيدي القارئ وسط فيض من كتابات لا تستحق الانتباهrlm;.rlm;