خيري منصور

لا الأخطبوط ولا أم أربع وأربعين ولا حتى الهايدرا أو أي كائن اسطوري متعدد الذيول وذي رأس واحد تكفي لتوصيف الفساد الوبائي، الذي يمكن أن يصبح نسيجياً وبنيوياً، فهو سياسي وثقافي وتربوي وطبي وعمراني وأخيراً سياحي.

وإذا كان الكثيرون قد تحدثوا عن أذرع الأخطبوط العلنية، فإن قلة قد تورطوا بالحديث عن الأذرع غير المرئية، ومنهم من دفع الثمن، لأن من بين شهداء الصحافة وشهودها في العالم من دفعوا حياتهم ثمناً لافتضاح مافيا أو قرصان أو عصابة.. وهذا ما أعلنه الأمين العام لصحافيي هذا الكوكب الذي كف عن الدوران بعد أن أصابه الدوار وداخ.

في احدى العواصم العربية صادفت سائحاً أوروبياً روى لي حكاية هي في الصميم من الفساد السياحي فقد باعه أحد الأفاقين ربابة بمائتي دولار، بعد أن أبلغه بأنها نادرة، وشاءت المصادفة أن تقع عينا السائح المخدوع على بائع ربابات تأبط خمساً منها، وعندما سأله عن ثمن الواحدة منها قال له إنها لا تساوي أكثر من دولار واحد، لكنه لم يفعل ذلك بوازع أخلاقي، بل نكاية بزميله البائع الآخر الذي ظفر بزبون ذي خيال استشراقي.. وأخيراً عرف السائح أن هذه الآلة الفولكلورية لا تساوي حتى دولاراً واحداً فحطمها وقرر ألا يعود إلى تلك البلاد.

وما يروى عن الأفخاخ التي تنصب للسياح في مختلف عواصم العرب. يعرفه الناس ولا يحتاج إلى تكرار. لأن السائح يبدو بالنسبة للبعض مجرد فريسة، والخسارة هنا لا تتوقف عند فقدان سائح واحد، بل بما سيحمل في ذاكرته من قصص يفزع بها أصدقاءه ومعارفه بحيث لا يذهبون إلى ذلك البلد الذي نصبت فيه الأفخاخ.

لهذا فإن الارهاب الذي ينسب إليه ضعف الاقتصاد السياحي في بعض الأماكن قد يأتي في المرتبة الثانية بعد الفساد السياحي والأفخاخ التي تستدرج الضحايا، من أجل كسب سريع وعابر وغير قابل للتكرار.

والتثقيف السياحي ليس مجرد حفظ لمواقع وأطلال وآثار، ولا هو كما يتصور البعض معرفة باللغات في الحد الأدنى، انه من صميم ثقافة انسانية عامة، وتربويات تصلح عينة واحدة منها للدفاع عن بلد أو ادانته، ولن تصلح الرقابة حتى لو كانت بالغة الصرامة في الحد من هذه الظاهرة. لأن الوازع الأخلاقي ان لم يكن ذاتياً فإنه لن يكون بقوة القانون أو حتى قوة السلاح.

والخديعة التي يمارسها البعض ضد سياح أبرياء يجب أن تصنف في قائمة ارهاب أشد سواداً، لأن الفعل ينسب إلى شعب برمته وليس إلى فرد فجر نفسه على رصيف أو في مقهى.

ان صورة العربي والمسلم في الثقافة الغربية ليست جميلة على الإطلاق، وبإمكان أي عربي أن يفتح أي كتاب أو موسوعة استشراقية كي يتأكد من أن صورته مقترنة بالمكر والكذب والنفاق والغدر، وقد يكون كتاب ادوارد سعيد عن الاستشراق دليلاً لمن فقد الدليل نحو هذا العالم المسكوت عنه.

وأرجو ألا يفهم من هذا أننا حين ندعو إلى ثقافة سياحية نظيفة ومحررة من الابتزاز والاختطاف من أجل تجميل صورتنا، لأن مثل هذه الثقافة ليست مجرد حيلة أو اسلوب في غسل السمعة، انها من افراز منظومة قيم، لا تقبل التوظيف الموسمي ولا تمارس لأسباب اجرائية.

والفساد الذي حولته الأقلام التي تدين تدينه وتبارك الفاسدين وتتزلف إليهم قابل للتمدد السرطاني والوبائي ليشمل حتى الحدائق والشوارع ورياض الأطفال.