علي سعد الموسى
بدعوة من مؤسسة (ويستون هاوس) قضيت نهاية الأسبوع الفائت يومين من الجدل الصاخب في ريف بالغ العزلة في جنوب شرق بريطانيا. عشرون مستعرباً مع مالا يزيد عن خمسة من المثقفين العرب حول طاولة مقفلة للنقاش عن عوامل الاتحاد وكوامن القوة في حركة العالم الإسلامي المعاصر. الطاولة التي تبدأ في الصباح تنتقل مع أصحابها (معنوياً) إلى كل ردهات القصر الأثري المعتق تبعاً لعزلة المكان التي جعلت مادة النقاش مادة وحيدة فما الذي سيجمع بين هذه الوجوه من قاسم مشترك إلا السبب الذي جاؤوا هنا من أجله.
قصة التباينات التي ألحظها في جنسيات المؤتمرين هنا حول هذه القضية بالتحديد تستحق وحدها لفتة خاصة والواقع أن زلزال الحادي عشر من سبتمبر قد غير جذرياً حركة الاستعراب وأضاف بعداً جديداً على طبقات ومناهج المستشرقين الجدد. الاستشراق الحديث لم يعد مدرسة برنارد لويس ولا حفنة المفكرين القدامى من حوله الذين قال عنهم ذات يوم ألبرت حوراني إنهم يقرؤون مناهج وكتب الاستشراق القديمة ثم يعودون لإعادة صياغتها وكتابتها من جديد دون ملابسة جوهرية حقيقية لقضايا العالم العربي والإسلامي بالمشاركة والمعايشة. هل أنهى الزمن الإلكتروني وثورة الاتصالات أسطورة الاستشراق وألق المستشرق؟ الجواب نعم، ولكن بالتزامن مع كارثة الحادي عشر من سبتمبر.
هنا أستاذ جامعي من الأرجنتين، من أصول سورية مسيحية، وجد نفسه مرحباً استثنائياً في بلد مثلما قال ينتابه القلق من تنامي الأصولية المتطرفة في أوساط مهاجري بلاد الشام الذين يبلغون اليوم في بلده ثلاثة ملايين مواطن. يؤكد المستشرق الجديد أن معرفة القضايا التي تهم الجاليات المسلمة بأمريكا اللاتينية تحتاج إلى العودة إلى الجذور لأن بذرة التطرف الملحوظة في الجيل الأرجنتيني المسلم الجديد، بحسب قوله، تأتي امتداداً للأدبيات الوافدة من المنبع في بيئاتهم الأصلية.
يواصل، لا نريد أن يأتي اليوم الذي نجد فيه أنفسنا أمام خلايا ناشطة مثل تلك التي نشأت في بيئات - آسيويي - بريطانيا، أو مغاربة لندن أو ضواحي باريس. هذه دول نامت على إبر التخدير التي أوهمتها أن الأجيال الرابعة من أبناء المهاجرين القدامى صاروا أكثر تقبلاً وانسجاماً مع أنماط الحياة الاجتماعية في الغرب قبل أن يصحو فيهم مارد شيطاني تحولوا به إلى قنابل موقوتة بفضل بضع زيارات محدودة قاموا بها إلى بلدانهم الأصلية.
هنا واحد من أكبر خبراء روسيا في قضايا الشرق الأوسط يجادل في حديث جانبي أن الصدفة التاريخية وحدها قد أنقذت روسيا من زلزال إرهابي واسع الانتشار وأنها كانت محظوظة أنها أعطت إشارة الاستقلال لجمهوريات آسيا الوسطى المسلمة ومن ثم تخلصت من قبعات الحجة التاريخية المحركة لهذا الزلزال.
مساحة المكان وطبيعة المقال لا تسمحان بالطبع باستعراض مناهج المستشرقين الجدد فهذه مسألة أكاديمية بحثية خالصة. الاستشراق الجديد، في وجوه هؤلاء، مسألة معلوماتية خالصة أكثر من كونه قضية دراسات عاجية تقليدية. المستشرقون الجدد إما أساتذة جامعات عملوا بالعالم العربي أو دبلوماسيون تنقلوا بين عواصمه أو خبراء إعلام تخصصوا في البرامج الموجهة إلى الخريطة العربية: تلك هي رؤية الدبلوماسي الألماني البارز الذي آثر أن يخصص كل محاضراته للحديث عن الحركات الإسلامية خارج العالم الإسلامي لأنه مؤمن أن الإرهاب يأتي على رأس قائمة الصادرات الجوهرية التي ينتجها العالم الإسلامي وأن هذا الإنتاج سيظل على رأس صادراته لثلاثة عقود قادمة.
المثير، المضحك، في آن أن هذا الدبلوماسي، وبالأرقام، يؤكد أن الحرب على الإرهاب في شوارع المدن الغربية مسؤولة بالفعل، عن خلق ما يقرب من عشرة ملايين وظيفة جديدة، كلها نشأت بعد الحادي عشر من سبتمبر، وتتمحور حول صناعة الأمن ووظائف المراقبين ومراكز الأبحاث ودوائر الفكر والإعلام والمؤتمرات المصاحبة. يجادل ضاحكاً بأن صناعة - الإرهاب - تتفوق على مافيا - التبغ - لأن الأولى تقتل أعداداً أقل وتوظف في ذات اللحظة أرقاماً أكبر.
أعرج بانطباعات اليوم إلى نهاية مثيرة للفارق في نمط التفكير. فعلى حين كان الجميع يستشرف الحلول للمستقبل من منظور الواقع، إلا أن القطب الإخواني الكبير آثر أن يتحدث في نهاية اليوم الثاني والأخير مقترحاً ومبشراً بعودة أنموذج - الخلافة - ومبرهنا على أنه الحل المثالي أمام العالم الغربي كنموذج سياسي للخريطة الإسلامية. استغرقت في الدهشة وهو يكمل ساعة كاملة حول حلول - الخلافة - التي ساق لها كل الحجج والبراهين قبل أن يختم بالفائدة الأخيرة في الفقرة الأخيرة من خطابه - الجمهوري - الطويل من أن الخلافة كنظام سياسي على الأقل ستتيح لزعماء الغرب الفرصة للاتصال برقم هاتفي واحد مع خليفة واحد لكل الخارطة الإسلامية مع كل قضية مشتركة بين الجانبين. السؤال الذي طرحه أحدهم بخبث: كم مرة في اليوم الواحد سيضطر خليفة الغرب للاتصال بخليفة العرب.
- آخر تحديث :














التعليقات