زهير قصيباتي
بات للفرنسيين اليوم رئيس جديد لجمهوريتهم الخامسة، لا خوف ان يطعن أي منهم في شرعيته، بعد حملات انتخابية ساخنة، على الجدران ومن على شاشات التلفزيون. ساخنة من دون شتائم أو تحقير، أو تهديد بالرصاص أو بـ laquo;معركة دمويةraquo; كما في لبنان.
وليس السؤال هل تجوز مقارنة تباهي الساسة اللبنانيين بديموقراطيتهم، بالديموقراطية الليبرالية في فرنسا التي كانت لحقبات laquo;أماًraquo; لبعضهم، فبات معظمهم اليوم يختلف حتى على جنس الأب.
إنه دستور اتفاق الطائف، الذي لم يسلم من التلاعب، ولو طبّق تدريجاً لاضمحلت ديموقراطية التوافق الطائفي، فكيف حين يصبح لبنان مجدداً مهدداً بمصيره ndash; دائماً laquo;على خط الزلازلraquo; ndash; وتستدعي محطة انتخاب الرئيس الجديد ذرائع laquo;دستوريةraquo; وذرائع مضادة، مفصلة على مقاس من يستعد لارتداء لباس الميدان، عشية المعركة.
لا تجوز مقارنة الديموقراطية الليبرالية الفرنسية بالديموقراطية في لبنان، حيث يحذّر بعض ساسته من سوقه الى laquo;جهنمraquo;، إذا طاول الشلل والتعطيل انتخاب خلف للرئيس اميل لحود، وإذا تحققت المخاوف من نشوء حكومتين او وجود رئاستين... وربما ما هو أبعد من جهنم إذا فشل بعض laquo;النيرونيينraquo; في كبح اندفاعهم الى انتصار الذات، بعيداً مما تقتضيه المعركة الأخيرة لإنقاذ البلد من التقسيم.
وعلى رغم ان لا أحد ينكر على المعارضة التي فشلت في إسقاط الحكومة، أنها التزمت وعودها بعدم التلاعب بحال السلم التي شهدت خروقاً أمنية خطيرة، فلا احد في فريقي 8 آذار و14 آذار يجهل حقيقة ان انتخابات الرئاسة ستشكل المفصل الحاسم في مسار الأزمة المستفحلة منذ صيف 2006. فإما التسليم بانتخاب رئيس من خارج laquo;المعسكرينraquo;، ليواكب مرحلة laquo;التطبيعraquo; بين لبنان والقرارات الدولية، وإما الفراغ والمجهول الذي لن يكون أقله لبنانَيْن: واحداً موصوماً بالدوران في فلك التحالف السوري ndash; الإيراني، وثانياً تتهمه المعارضة بكونه جرماً في فضاء السياسة الأميركية ndash; الفرنسية.
ولأن المعارضة لم تحقق أي اختراق في معركة laquo;المشاركةraquo;، فيما حكومة فؤاد السنيورة صامدة وراء اعتصام المخيم الكبير في قلب بيروت، و laquo;معركةraquo; إقرار المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري، ستُسحب من الاشتباك الداخلي الى مجلس الأمن، بديهي ان تحاول المعارضة جعل انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية معبراً لأول انتصاراتها.
ولكن، مرة أخرى، وإلى جانب الاشتباك الداخلي حول الانتخاب والذي يحتدم سعيره تراشقاً laquo;مهذباًraquo;، بعد تهدئة قصيرة، لا تتراجع حسابات الخارج، أو حساباته لدى مَن ينتظرون، على خط الزلازل: سياسة فرنسا laquo;الجديدةraquo;، وسياسة laquo;الانفتاحraquo; الأميركية على دمشق وطهران، أو حتى ما يُعتقد بأنه سباق سوري- إيراني على الحوار مع واشنطن، في عهد التعايش القسري بين إدارة الرئيس جورج بوش والديموقراطيين المناهضين لنهج الهجوم laquo;الوقائيraquo; على الأطراف laquo;المارقينraquo;.
بالتأكيد، لن ينتظر انتخاب الرئيس في لبنان نتائج الاختبار الأميركي لما يسمونه في واشنطن laquo;سلوكraquo; طهران ودمشق الذي سيحدد مصير محاولات إنهاء عزلتهما لدى الغرب، لكن اللبنانيين جميعاً يعرفون ان الناخب الكبير في الخارج كان دائماً حاضراً في جولات الاقتراع الرئاسية. ويعرفون ان صدام laquo;المحورينraquo; الأميركي والإيراني اقليمياً، سيقرر الكثير على سكة الاشتباك بين معسكري المعارضة والموالاة في لبنان... بالتالي تشتد وطأة الضباب الإقليمي على الانتخابات، بانتظار تسوية ما مجهولة، في اللحظة الأخيرة.
لذلك، لن يكون غريباً توقع المزيد من السجال laquo;المهذبraquo; بين الفريقين، لكن الأهم ان laquo;كلمة السرraquo; التي أفشاها البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله صفير العائد من الفاتيكان، هي حظر تعطيل انتخابات الرئاسة، أي حظر نسف النصاب في جلسة الانتخاب، واستبعاد التخلي عن اتفاق الطائف، عبر رفض اقتراح الجنرال ميشال عون الاقتراع الشعبي المباشر الذي يحوّل نظام الجمهورية الثانية الى نظام رئاسي.
وليس الجنرال وحده بل كل المعارضة ستجد نفسها في موقع صعب اذا حاولت تعطيل الجلسة، لأن المسيحيين والموارنة خصوصاً الذين يشكون من تهميشهم سنوات طويلة، سيحمّلون laquo;حزب اللهraquo; وتحالفه مع عون تبعة جرّ لبنان الى التقسيم بالأمر الواقع، ولو لم تُطلق رصاصة واحدة.
إن تجربة الحكومتين والرأسين التي تلت عهد الرئيس امين الجميل، لو تكررت في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية، ستشيّع لبنان الموحد، ربما الى الأبد هذه المرة... خصوصاً بعد فشل الأطراف المحليين في استيعاب محاولة تعريب الحلول. ولا عاقل في المنطقة يراهن على غرام بين الناخب الكبير و laquo;التنوعraquo; اللبناني، وتعايش الثقافات والطوائف، الى الحد الذي يدفعه الى ارسال جيوش لفرض وحدة لبنان بالقوة.
بديهي ان اول الخلاص منع تشرذم المسيحيين حول الانتخابات، فذاك شرط لا غنى له لتوافق المعسكرين على الرئيس الجديد. اما التهديد بـ laquo;كل شيء حلالraquo; و laquo;الكلام الكثيرraquo; و laquo;تبليط البحرraquo;، فلن يسهّل للبنانيين المخاض العسير على طريق الفرصة الأخيرة للحل.
يقول الرئيس السنيورة المتفائل دائماً في مواجهة المتشائلين، ان لبنان كان دوماً laquo;على خط الزلازلraquo;، مثل laquo;كرة سكووتشraquo; كلما رُميَت بقوة ارتدت بحيوية اكبر. فعلى مَن ترتد هذه المرة؟












التعليقات