ساطع نور الدين


عندما تصبح فرنسا بعيدة الى هذا الحد، غريبة الى هذا الحد، يكون هناك خلل هائل في الثقافة الغربية التي كانت باريس وستبقى احد اهم معاييرها، والتي كان الرأي العام الفرنسي وسيبقى احد اهم مؤشراتها.
ما الذي حصل بالفعل لكي يقرر الفرنسيون، وبعد عقود من التمايز والتمرد رسخها خطاب سياسي فذ، ومزاج شعبي فريد، ان يلتحقوا فجأة بأميركا، في الوقت الذي يغادر بقية الحلفاء السفينة الاميركية المبحرة على غير هدى في مختلف انحاء العالم، التي تعتمد فقط على قوتها النارية، وفي الوقت الذي يشكك الاميركيون انفسهم بالحروب التي خرجوا اليها في الاعوام الستة الماضية، وتحولت معها بلادهم الى عنوان رئيسي للكراهية.

كأن فرنسا تبدأ من جديد رحلة البحث عن هوية سياسية وثقافية مختلفة، وتقطع صلتها مع ماضيها العريق كله سواء ذلك الذي ارساه جنرال شجاع قادها الى التحرر من الاحتلال والفاشية، او ذلك الذي عززته ثورة ايار العام 1968 الطالبية الرائدة والملهمة لليسار العالمي كله، وتخسر كل ما راكمته من رصيد خاص عندما اضطرب العالم جراء زوال الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي، او عندما اهتز نتيجة هجمات 11 ايلول العام 2001 على نيويورك وواشنطن، ولا يزال حتى اللحظة..

وقد اختارت لتلك الرحلة الغريبة، التي لا تليق بفرنسا، بل لا تليق حتى بدولة من العالم الثالث، مهاجرا قدم للتو اوراق اعتماده لدى المؤسسة الفرنسية، وضمنها اقصى ما يمكن لوافد جديد من مزايدات في وطنيته على ابناء الوطن الاصليين، واسوأ ما يمكن ان تختزله الشخصية الفرنسية من مواقف ومشاعر معارضة لفكرة المصالحة او حتى الحوار مع الاخر.. ومتقاطعة مع التيار العنصري الفرنسي الذي يقوده رئيس الجبهة الوطنية جان ماري لوبن.

مهاجر يقود الحملة على المهاجرين: خيار لا يخلو من الخبث، لكنه في المقابل لا يخلو من المخاطرة الشديدة، اذا كانت مشكلات فرنسا السياسية والاقتصادية تختصر بالفعل بالهجرة، وبنحو خمسة ملايين فرنسي من اصول اسلامية اثبتوا انهم اشد اندماجا في المجتمع الفرنسي من أي اقلية اسلامية تعيش في مختلف البلدان الغربية.. برغم ان شبان الضواحي الذين اشعلوا حرائق باريس في العامين الماضيين كانوا في معظمهم ينتمون الى تلك الاقلية التي روعت الفرنسيين!

لا يعقل ان تكون فرنسا اختارت نيكولا ساركوزي رئيسا فقط لكي ترد على هؤلاء الشبان الذين لن يغادروا الشارع بعد اليوم. ثمة ما هو اعمق من ذلك الانفعال الفرنسي الذي يفتقد الى الحكمة والذكاء. الاتجاه الحاسم نحو اليمين المحافظ لا يجعل من فرنسا شريكا لاميركا، بل مجرد دمية اضافية تتلهى بها، مثلما تفعل مع بريطانيا وغيرها من الدول الاوروبية.
ارتكبت فرنسا حماقة تشبه تلك التي ارتكبها الاميركيون عندما انتخبوا جورج بوش رئيسا.