غسان تويني
نبدأ من quot;المعركةquot; ndash; حقاً كانت كذلك كما ولا مرة من قبل ndash; المعركة الفرنسية التي كرّست، في ما يعنينا، أن فرنسا الناخبين مهتمة بقضاياها الداخلية وليس بالسياسة الخارجية ولا حتى إلا سطحياً بمركز فرنسا في العالم ودورها في قضاياه الكبرى. بالكاد اهتم الناخبون لملاحظة عابرة قالها الرئيس الجديد عن مصير أوروبا، وأنه يريدها quot;أن تظل أوروبيةquot;. أي quot;تبقى تركيا في آسيا الصغرىquot; هي وإسلامها (كلمة بطرف لسانه، وبصوت خافت) وquot;نكتفي بمن دخل من أوروبا الشرقيةquot; في انتظار الدستور الأوروبي الجديد الذي لن تستعجله فرنسا، وقد تقترح بديلاً منه، معاهدة محدودة تنظم العلاقات الأوروبية الحالية.
هكذا يكتسب خروج الرئيس جاك شيراك أبعاداً خطيرة، وتكستب زيارته الأخيرة لالمانيا وعناقه المستشارة ميركل رموزاً غير معلنة، إذ كأنه كان يسلّم الزعامة الأوروبية الى العدو التاريخي الذي صار الحليف الألزم.
يحدونا هذا الامر على التساؤل في لبنان خصوصاً وفي العالم العربي بوجه عام، عن مصير مسائلنا وقضايانا، وحروبنا وسلامنا، وموازين القوى التي تعنينا، في غياب الحليف الفرنسي ودوره في مجلس الأمن، وغموض السياسة الأوروبية بالنسبة الى quot;التوازن الأطلسيquot; مع أميركا الداخلة عهد اضطراب رئاسي هي أيضا. ويؤكد هذا التخوف كون ان الرئيس المنتخب أعلن في أول خطبة القاها بعد فوزه ان السياسة الأوروبية ndash; المتوسطية التي يعتمدها ستهدف الى بناء quot;محور أوروبي ndash; أفريقيquot; ولا كلمة عن الشرق الاوسط وكأنه ليس quot;متوسطياquot;.
الأمل الوحيد، في العهد الفرنسي الجديد، يبقى في قدرة القوى الخارجة عن الحزب الحاكم على التأثير وفي مجيء وزير أو وزراء لهم نظرة إقليمية ndash; دولية مختلفة ولهم مكانة واستقلالية تسمحان لهم بفتح آفاق أرحب من آفاق الرئيس. وهذا ما تركت خطبة الرئيس الباب مفتوحاً أمامه عندما ألحّ على شعاره بأنه سيكون رئيس quot;جميع الفرنسيينquot;، الذين انتخبوه والذين اقترعوا ضده، على حد سواء.
bull; bull; bull;
وغالب الظن، من زاوية ما يُرى هنا في باريس أن واشنطن ستجد نفسها مضطرة الى شيء من الانكفاء تجاه ايران على أمل أن يتحول العراق وحروبه الى quot;فيتنام ايرانيةquot; وليس فقط فيتنام لاميركا، تغرق وحدها في وحولها!
والذي يبدو أكيدا كذلك هو أن واشنطن ستجد نفسها مضطرة الى مواجهة quot;الحرب على الارهابquot; بغير الاتكال على تكاثر التصفيات في منظماته وزعاماتها وربما كثَّفت ضغطها على اسرائيل والفلسطينيين مباشرة، وخصوصا اذا انشغلت مصر بانتخاباتها الرئاسية عن القيام بالدور الفعال المأمول من محورها مع الاردن في تسويق المشروع السعودي الذي قد تضطر الرياض الى الانصراف عنه بعض الشيء بسبب من ظروفها الداخلية، هي أيضا، ولو كانت، هي، بمنأى عن أية رئاسيات!
bull; bull; bull;
مصدر المفاجآت الاكبر سيكون الرئاسيات الاسرائيلية التي لا تجرى انتخابيا بعد، وانما في اطار اكثر مخاطرة... وهي التي قد تحمل الى لبنان حربا جديدة، كما قد تؤذن بانفجار المجتمع السياسي الاسرائيلي الذي كشفت حرب تموز كل عوراته، وأخطرها التصور الشعبي الاسرائيلي بأن الدولة الحالية لم تعد قادرة على ضمان امن الناس، في غياب اتفاقات سلام عربية...
bull; bull; bull;
مما يقودنا الى الكلام عن الرئاسيات الاخرى، والأقرب، التي تشغل بال العالم ويجب ان تشغل بالنا نحن بنوع أخص لأنها حبلى بالمفارقة الدستورية الاكثر حراجة. هل تكون العودة الى العسكريتارية هي البديل الوحيد من جنوح الديمقراطية الى التطرف الاسلامي وما قد يمثله وما قد لا يحتويه...
والخطورة، اذا جاء الجيش في تركيا الى الحكم، هي ان يُظن اقليمياً ان في ذلك مؤشراً لعودة أميركا الى quot;فسلفتهاquot; الجنوبية ndash; الآسيوية، التي حمل لواءها أمثال تشستر بولز والقائلة بأن البديل الوحيد من الاهتراء الديمقراطي في دول العالم الثالث هو الانظمة العسكرية... علماً بأن هذه الفلسفة أفقدت أميركا فيتنام ونصف كوريا وأفغانستان (والعراق كذلك، ولو بتستر!) فضلا عن ايران (ولا حاجة الى كثير شرح!!!).
وبديهي أن مجيء العسكر الى الحكم في تركيا ربما يجعلها هي، لا سواها، الفريق القيادي اقليمياً في quot;الحرب على الارهابquot;، مما يشجعها على القيام بدور متصاعد في الصراع العراقي، والارجح في امتداداته الى حدود المواجهة مع ايران على كل الجبهات وأولاها الجبهة الاقرب اليها، عنينا سوريا وكل استطراداتها او بعضها على الأقل... ولا quot;أحلامquot; أوروبية تردعها.
bull; bull; bull;
في هذا المشهد الدولي ndash; الاقليمي المتعقد، الى أين لبنان؟
الخيار صار واضحا أنه بين أمرين:
إما البقاء على ضاحية العالم الديمقراطي أي الدخول في المتاهات quot;الدستوريةquot; التي تسربلنا أكثر فأكثر. وإما أن يصير خيارنا محصوراً بين مسلكين:
أولا: مسلك الذي quot;يرشح نفسه ولا سواهquot; (ولو جاء نفي ملتبس ومتاخر لحرفية الكلام) وهو المسلك الذي يقذف بنا الى شواطئ النزاع الاهلي، حتى لا نقول الحرب quot;الأهليةquot;، quot;من أجل الآخرينquot; (كالعادة)... وبين عسكريتارية جديدة تدخل باب السأم بل اليأس من الحلول الدستورية... وهي ما يروّجه البعض (من حيث لا يدرون؟) عندما يصرّون على ذكر اسم قائد الجيش العماد سليمان في لائحة المرشحين، رغم البلاغات وتصريحات النفي، ورغم وجود تعديل الدستور في طليعة quot;المحرّماتquot; التي ثمة إجماع على رفضها.
وثانيا: المسلك الدستوري الذي يستوجب فتح أبواب مجلس النواب وانتخاب رئيس جديد بالتوافق أو بما يقاربه من غير انتظار نهاية العهد اللحودي البائس - النهاية quot;التعطيليةquot; للبقية الباقية من المؤسسات الدستورية.
فماذا نختار؟...
إذا كان من الممكن البحث في تعديل الدستور بوجود quot;الرئيسquot; لحود، لجاز الترحيب باستفتاء شعبي محصور في سؤال بسيط واحد: هل تريدون رئيساً منتخباً برلمانياً دستورياً، أم تختارون، أيها اللبنانيون، القفز في متاهات رئاسيات مجنونة تكرّس وجود لبنان الى زمن عسير طويل في quot; ضاحيةquot; العالم الديمقراطي، ولا من رادع مشروع يمنعنا من السقوط في هاوية المجهول؟...














التعليقات