د. حسن مدن

دعا أحدهم مرة إلى إجراء تجربة بسيطة: حذف نشرة الأخبار من برامج أي محطة تلفزيونية، لنرى نوعية وكمية البرامج الأخرى التي تبثها محطاتنا الفضائية، ونتساءل: ما هي كمية المعلومات التي نكتسبها من هذه المحطات إذا ما قورن الأمر بتلك المعلومات التي تحجب عنا، وإذا وصل بعضها إلينا فإنه يصل مشوهاً؟

إننا لا نستخف بالأثر الذي تؤديه شبكات التلفزة العالمية على صعيد إشاعة تصور واحد عن العالم لشعوبه مجتمعة، عبر التحكم في مصادر الأخبار وفي طريقة توزيعها وبثها وفي أسلوب توظيفها على أساس الانتقاء الدقيق للمراد إيصاله للعالم، وتقديمها منطوية على بعض الحقيقة بإبراز عناصر بعينها وإغفال أخرى أو تهميشها، مع الحرص على تحقيق حد معقول وربما كبير من المصداقية، هذا فضلاً عن الأسبقية في استقصاء الخبر من مصادره.

لكننا نحن في الحقيقة نسمع نشرة أخبار واحدة بصور واحدة تبث من قنوات مختلفة، فما لم يرد في هذه النشرة من أخبار لا نعلم عنه شيئا حتى لو كان فظيعاً أو مروعاً، حتى تسلسل الأخبار فيها من حيث الأهمية لسنا من يتحكم به، طالما أن نشرة الأخبار المصورة قائمة أساساً على تأثير الصورة قبل تأثير الخبر المجرد. الأولوية للصورة لا للواقعة، والصورة يجري اختيارها بإتقان وغربلة، ومخطئ من يقول إن الإعلام الخبري المتلفز الذي نشاهده هو إعلام محايد أو بريء، حتى لو تزيا بالبراءة والموضوعية والحياد.

يجب ألا يوقعنا في الخدر إغراء الواقع اللفظي لمصطلح القرية الكونية الذي لاحظ الكثير من الدارسين ما ينطوي عليه من تناقض أو مفارقة، لأن القرية تعني ما هو محلي وصغير وبطيء الإيقاع، فيما تعني العالمية ما هو كبير ومتنوع ومتباعد الأطراف، ويتعين علينا التشكيك في حقيقة أن وسائل الإعلام التي يفترض أنها كسرت المسافات، وأعادت صياغة مفهومي الزمان والمكان بما يتسق وآلية عملها تضعنا في قلب الحدث، فهي لا تفعل سوى وضعنا فقط في قلب الحدث الذي تريدنا أن نراه.