عبدالله بن بخيت



بدعوة من المسؤولين فيها استمتعت مع ثلة من الزملاء بزيارة أرامكو. الشركة التي تدر الحليب الأسود الجميل.

في زيارتي هذه واجهت تجربتين سبق أن مررت بهما كأنما الزمان يعيد نفسه أو أن الواقع يترجم نفسه حلماً.

قبل سنوات بعيدة (في منتصف السبعينيات الميلادية) التحقت بفريق الإحصاء. جاء سوء حظي أو حسنه (قدِّره بما تشاء) أن قُذف بي في أعماق الربع الخالي. في مكان ما يُدعى قلمة فيصل. في الربع الخالي كل مكان يشبه الآخر. جبال شاهقة من الرمال الحمر الجميلة الواعدة بكل أسباب الموت - الفناء. قلمة فيصل مكان تميزه عن امتدادات الفراغ المترامية ماسورة تنز بالماء الأسود المتعفن برائحة الكبريت يقول البدو الذين صادفناهم من قبيلة بني مرة إن هذه الماسورة من بقايا التنقيب عن النفط. بالتأكيد هي كذلك.

لا يُمكن لأحد أن يغرس ماسورة تنتهي بأن يتدفق منها الماء الأسود إلا إذا كان هناك من يبحث عن ثروة تحت الرمال. بدأنا الرحلة من أطراف مدينة الأحساء في حملة مكونة من ثلاث سيارات ذات الدفع الرباعي (جيوب) وونيت يقوده أحد منسوبي الحرس الوطني. مع إطلالة أول بيوت شعر اضطررنا أن نركن الونيت ونستأجر دليلة. من هذه النقطة إما الدليلة أو الموت. سننتهي كما انتهى كثير من المهربين الذين صادفنا سياراتهم مغروسة في الرمال وبقايا حيواتهم متناثرة على مسافات متعددة.. عرفنا أن هؤلاء مغامرون متهورون. نسبة الفشل في مغامراتهم أكبر من نسبة النجاح. هكذا هلك معظمهم في المتاهات الظامئة. في كل مسافة نقطعها في عمق الربع الخالي نضطر أن نبدل الدليلة بتغيُّر مستوى الخبرة والخطر.

حتى جاءت الأعجوبة الأولى في حياتي. وقفنا عند مورد بدو يحيط به عدد صغير من بيوت الشعر. عائلة أو عائلتان فقط سألنا الرجل أن يقودنا إلى قلمة فيصل. اعتذر الرجل بعنايته بالحلال وعندما عرف حرج موقفنا وحاجتنا إلى الذهاب إلى هناك التفت على صبي يقف إلى جانبه وقال: سأصف لهذا الصبي الطريق وأنا على ثقة أنه سيأخذكم إلى هناك رغم أنه لم يسافر وحده أبداً.. صعقنا جميعاً. يصف ماذا؟ كل الربع الخالي جبال من الرمال المتحركة لا زرع فيه ولا ماء ولا شجر. قلبنا الأمر ولسبب منطقي واحد قبلنا اقتراحه.

هذا الطفل هو ابنه ولا يُمكن أن يورط ابنه إذا لم يكن واثقاً مئة بالمئة من الأمر. بدأ يصف له بطريقة غريبة. بحركة اليد ثم صوت (هه هه هه) مرة تميل يده شمالاً ومرة تميل يميناً. ركب الصبي في السيارة الأولى. بدأ يقودنا يمين شمال يمين شمال وبعد سبع ساعات تقريباً من المسير المضني الضارب في عمق الصحراء قال الصبي: إذا كان وصف والدي دقيقاً فلا بد أن ضالتكم من العرب تحت هذا الطعس. كان الطفل يدفع بنا في بحر الرمال بثقة عجيبة كأنما كان صاحب تكسي في شوارع لندن. ما زلت حتى الآن عاجزاً عن تخيُّل كيف كان يعمل عقل وخيال ذلك الصبي الصغير. كيف ترجم إشارات والده كعلامات على طريق لم يُوجد أبداً؟. شبكة من الأخيلة والحساسية في دماغ طفل شقَّت بنا وديان الموت. يا إلهي الطبيعة تعرف لمن تبوح بأسرارها.

عندما حلَّقت بنا طائرة أرامكو في طريقنا إلى حقل شيبه في عمق الربع الخالي في سماء تغطي بحراً صاخباً بالخواء الأبدي تذكرت ذلك الصبي الصغير. أصبح الآن فوق الأربعين من عمره (إذا كان حياً). هل دربته أرامكو وألحقته بالحضارة، أم بقي وفياً للمتاهات التي قهرها في ذلك اليوم البعيد؟.