خيري منصور


لم يكن ما تبقى من العالم على قيد رشده السياسي بحاجة إلى كتاب جديد لجورج تينيت المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية كي يعرف بأن قرار الحرب ضد العراق قد اتخذ قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عام ،2001 فقد نشرت من قبل كتب ودراسات منها كتاب الصحافي بوب وودوارد افتضحت ما كان يجري وراء الكواليس في واشنطن، كما أن وولفويتز الذي كوفئ على خدماته لآل بوش بمنصب حظي به من قبل ماكنمارا لم يخف بأنه احترف منذ نهاية السبعينات في القرن الماضي اسقاط نظم سياسية في آسيا وأمريكا اللاتينية.

لكن ما قيمة الاعترافات بأخطاء كان لها مثل هذا التأثير الكارثي العاصف في العالم وفي الولايات المتحدة أيضاً؟

لقد استقال الجنرال كولن باول من منصبه كوزير للخارجية بعد أن ألبس الدبلوماسية الأمريكية خوذة فولاذية واعترف بالخديعة، لكن كل هذا حدث بعد فوات الأوان، وكل ما تبقى لهؤلاء الذين تحملوا رغماً عنهم دم العراق وبعض الدم الأمريكي أيضاً هو كتابة المذكرات، والنقد المنزوع الفاعلية والدسم لإدارة استخدمتهم زمناً، ورمت بعضهم كالقفازات التي أصابها التلوث.

وإن كان جورج تينيت يبدي آراء متحفظة بعض الشيء حول شخوص المسرحية البوشية التي زاوجت بين التراجيديا والكوميديا ومنها رامسفيلد وديك تشيني ورايس، فإن ذلك يأتي في سياق تبرئة الذات من خطايا لا تتيح لأحد أن يتنصل منها ومن تردداتها الزلزالية على امتداد هذا العالم.

وقد لا تكون لأي نقد بأثر رجعي قيمة فعلية حتى لو أنه اقترن بصحوة أخلاقية، رغم أن مثل هذه الصحوة ليست مدرجة في أجندة البرغماتيين، الذين يقيسون الدموع بالميزان والابتسامة بالمسطرة.

وذات يوم ستبدو كوميديا الأخطاء الأمريكية أمثولة في تاريخ الامبراطوريات، خصوصاً تلك التي يصيبها فائض القوة بالتهور والعمى السياسي.

لقد قرأنا الكثير حتى الآن عن الذرائع الملفقة لاحتلال العراق، وسوف نقرأ أضعاف ما نشر حتى الآن في الأعوام المقبلة خصوصاً إذا وجد الديمقراطيون في خصمهم الجمهوري فرصة لتقديم أنفسهم كمخلصين لأمريكا من الكابوس الذي استمر سبع سنوات عجاف! وإذا صح تصنيف هذه الحرب بأنها من حروب ما بعد الحداثة فإن أدبيات توصيفها ونقدها والبحث عن ما وراء المعلن من أسبابها سيكون تدشيناً لعلم سياسي غير مسبوق.

فالعالم لا يزال مصاباً بالدوار، بعد الضربة التي تلقاها على مؤخرة الرأس، لكنه لا بد أن يتجاوز هذه الغيبوبة ليدرك بعد فوات الأوان أن الزلزال الذي عصف بالسياسة الدولية وهيئة الأمم ومجلس الأمن وسائر الصيغ الإنقاذية لم يسلم منه حتى مَنْ أحدثوه.

ولا أظن أن لدى العالم من الوقت أو الجهل بالحقائق بحيث ينتظر تفرغ الدكتورة رايس لكتابة مذكراتها.

فالمشهد تعرى حتى من ورقة التوت.. والمطلوب لإدامة الالتباس والتضليل عميان لم يتدربوا بعد على الرؤية بالعصا.