جميل مطر

مئات بل ألوف القبائل في إفريقيا والأمريكتين وصحراوات العرب تخلت طواعية، أو أجبرت على التخلي، عن ممارسة الصيد والقنص والقتال دفاعاً عن أرضها. لم تعرف، حين فعلت ذلك، أنها ستفقد ثقافتها، أي ستفقد الموروث من التقاليد وأسلوب حياة أفرادها وإرادتها. لن تعود كما كانت قبل أن تموت ثقافتها أي قبل أن تخسر روحها.

في مثل هذه المجتمعات بسيطة التركيب يتداخل الدين والحرب ويتشابكان في منظومة واحدة. فالوعظ الديني في قبيلة تحترف الصيد والقنص سيدور حتماً حول النصر والمعارك والبطولات دفاعاً عن المرعى، وسيصبح الرقص مع الكاهن صلاة حرب أو دعوة إلى انتقام، وستعتبر الأمة غنائم الحرب هدايا من الآلهة، وستذهب حصيلة القنص نصيباً يقدم للآلهة فداء وطلباً للحماية. في هذه المجتمعات تقل البدائل والخيارات وأحياناً تنعدم. فالإنسان إن لم يمارس الصيد لن يجد شيئاً آخر يفعله، وتشهد تجربة الاستعمار الغربي، وبخاصة البريطاني في إفريقيا، بأنه حين فرض المستعمر الأجنبي على القبائل ممارسات مستوردة من ثقافة غربية مركبة، وبينها الاختيار بين بدائل، لم تقوَ الثقافة القائمة في معظم القبائل على مواجهة تحديات عديدة في وقت واحد فانفرطت أو ذبلت.

نعود إلى قبيلة الغراب Crow، موضوع القسم الأول من هذا المقال الذي نشر الأسبوع الماضي، وهي القبيلة الهندية التي مرت بهذه التجربة. إذ إنه حين قررت حكومة واشنطن تحريم الصيد عليها وامتنع الناس عن الصيد، لم يجد الإنسان الصياد حرفة أو مهنة تصلح لمحارب سابق. ويقول مؤلف كتاب ldquo;الأمل الراديكاليrdquo; الذي نقل عن زعيم معمر في القبيلة تفاصيل هذه التجربة، إن الإنسان الصياد، ابن القبيلة، اكتشف أنه لم يعد يصلح حتى ليكون زوجاً أو أباً لأطفاله، إذ كيف يكون زوجاً وأباً بعد أن تنازل عن سلاحه ولم يعد يعول. وعندما اقتربت النهاية انزوى كل رجل في ركن يسأل نفسه، ما قيمة الحياة لإنسان فقد معنى وجوده؟

ألم يحدث شيء مماثل وإن كان أضخم كثيراً عندما فاجأت العولمة عشرات الأمم في العقود الأربعة الماضية، وكانت قد فاجأتها وغيرها من قبل في فجر الاستعمار الأوروبي وفي مراحل اجتياح الغرب لثقافات في عالم الشرق وعالم الجنوب؟ عاشت شعوب متعددة، كقبائل ldquo;الغرابrdquo; في أمريكا الشمالية قروناً في حالة لا تتغير، واعتمدت على نوع واحد أو أنواع قليلة من النشاط الإنتاجي، حتى فقدت القدرة ليس فقط على ابتداع بدائل وخيارات، ولكن أيضاً على صنع رواية تحكي قصص حياتها. ماتت الألوف من الثقافات ولم تترك رواية يتداولها ويتناقلها أبناء الشعب أو الشعوب الأخرى ويسجلها التاريخ.

ويقول شارلز تايلور Charles Taylor، الذي تولى عرض الكتاب وهو العرض الذي نشرته مجلة ldquo;نيويورك ريفيو أوف بوكسrdquo; كما أشرنا في القسم الأول، إن الشعوب حين تموت ثقافتها، أو تقترب نهايتها، يمتنع أطفالها في سني التعليم عن الذهاب إلى المدارس وتنتشر الخلاعة ولعب الميسر. وينقل المؤلف عن امرأة من قبيلة ماتت ثقافتها تصف حالتها فتقول، ldquo;أحاول الآن أن أحيا حياة لا أفهمهاrdquo;. تصورت وأنا أردد قول المرأة أنني ربما سمعت العبارة بنصها أو بمضمونها ينطق بها أفراد أقابلهم في سفراتي المتعددة في بلاد الشرق الأوسط، وبخاصة في بلادنا العربية.

يحاول مؤلف الكتاب وعارضه، تفسير سلوكيات شعب ماتت ثقافته فتركته من دون مبرر يبرر وجوده أو رواية تؤصل له وتحفزه. يعتقد واحد منهما، المؤلف أو العارض لا أذكر تماماً، أن هذه المرأة كفرد في هذا الشعب، لابد أنها مرتبكة لأنها لا تدري ما تفعله، وهي أيضاً تشعر بالعار. فالإنسان في هذه الحالة، كما في حالات مشابهة، يكتشف لأول مرة أنه عاري الجسد، فقد ماتت مع ثقافته القيم التي كان يحتمي بها وتبرر أمام ldquo;الآخرrdquo; عريه أو تستره.

يبدو هذا التحليل صادماً، ولكنه لم يصدمني. إن كثيراً من سلوكياتنا كأفراد وجماعات، وربما مجتمعات ودول، تكاد توحي بأننا ربما نمر بحالة، ليست تماماً حال شعوب ماتت ثقافتها، ولكن شيئاً قريباً من هذه الحال. إذ إنه منذ إعلان الحرب على ldquo;الثقافة الشرق أوسطية متضمنة الثقافة الإسلاميةrdquo; وإن تحت مسميات مختلفة مثل الحرب ضد الإرهاب أو الحرب ضد الفاشية الإسلامية أو الحرب ضد التشدد والتخلف وتجفيف المنابع التي يتربى فيها الإرهاب، ومثل حملات نهاية التاريخ وصدام الحضارات، يتصرف بعضنا ويتعامل مع مصدر هذه الحروب والحملات، تماماً بالصياغة التي استخدمتها المرأة من قبيلة الغراب التي ماتت ثقافتها حين قالت ldquo;أحاول أن أحيا حياة لا أفهمهاrdquo;، ويتصرف بعضنا تصرفات تنسجم مع التفسير الذي قدمه الكتاب وعارضه حين اعتبرا هذه المرأة مرتبكة وتشعر بالعار لأنها ldquo;فقدت ثقافتهاrdquo;، ونتصرف أحياناً مثلما تصرف شعب هذه القبيلة حين أصابته علل اللامبالاة واليأس وإيذاء الذات أو جلدها.

ما الحل؟ كيف يعود الأمل إلى شعب ماتت ثقافته فأصابته كل هذه العلل وفقد مبرر وجوده؟ كيف يعود الأمل إلى شعب لا يعرف كيف يحيا حياة غير تلك التي كان يحياها عندما كانت ثقافته حية، أو على الأقل واثقة من نفسها قبل أن تتعرض للتدمير أو التغيير أو ldquo;التجفيفrdquo;. والحل الذي يتقدم به الكاتبان، المؤلف والعارض، يتحول إلى مشكلة فور طرحه خاصة وأنهما اختارا قيمة بارزة من قيم الثقافة التي ماتت كنموذج تجري عليه تجربة الحل. اختارا الشجاعة، فالشجاعة قيمة عظمى في مجتمع الصيد والقنص والقتال دفاعاً عن الأرض والحدود، وهي بذلك حارس الثقافة وحارس الأمة. ومن دون صيد وقنص، ومن دون حروب للدفاع عن الأرض وحماية الحدود. ومن دون مقاتلين وروح القتال، ومن دون أسلحة بعد أن صادرتها أو تحكمت في أنواعها وكمياتها الحكومة الفيدرالية في واشنطن، لن تكون الشجاعة قيمة أساسية لهذا الشعب في أي منظومة أخلاقية أو قيمية وفي أي ثقافة يتبناها.

الحل، كما يقول الكاتبان، أن يقتبس الفرد في الشعب الذي ماتت ثقافته، أن يقلد ldquo;ما يفعله الرجل الأبيضrdquo;، وأن تقلد الشعوب المهددة ثقافتها شعوب الغرب. ينصحان مثلا باستيراد معنى جديد للشجاعة يحل محل المعنى القديم حين كانت الشجاعة تعني الإقدام والجرأة والتضحية بالنفس دفاعاً عن الأرض والحدود. وكما قلت، العيب في هذا النموذج من الحل أن تنفيذه يخلق مشكلة، بل مشكلات، فالشجاعة في الثقافات المركبة لها معنى أو معان لن تجد من يفهمها في شعوب ldquo;من دون ثقافةrdquo; أو مهددة ثقافاتها ومحاصرة. ومع ذلك بقي الكاتبان على إصرارهما لاقتناعهما بأنه طالما كانت الشجاعة بؤرة أو جوهر ثقافة شعوب قبائل الغراب قبل أن تموت هذه الثقافة، فلن يستعيد هذا الشعب حيويته ويقتنع بجدوى وجوده إلا إذا استمرت ldquo;الشجاعةrdquo; بمعاني ومضامين أخرى. ولا يفوتني أن أنبه إلى أنني لم أنبهر بالتعريف الذي ابتكره المؤلف، أو تصور أنه ابتكره، فقد سبقه إليه خبراء يتخصصون في فنون تعديل أو تطوير الحضارات والثقافات غير الغربية الجذور والأصول لتصبح أكثر انسجاماً مع الحضارة الأمريكية السائدة.

الحل الذي يقترحه مؤلف الكتاب أشمل وأوسع من المثال الذي ركز عليه، وهو البحث عن مضمون جديد للشجاعة. يعتقد المؤلف أن الحل الراديكالي الشامل هو أن يقتنع هذا الشعب، شعب الثقافة التي ماتت أو المهددة أو الهالكة بأنه سيتمتع في المستقبل بسعادة بالغة. ولكنه يحذر من التبشير بموعد وصول هذا المستقبل، فمن أجل إقامة ثقافة جديدة يجب عدم التقيد بمواعيد ثابتة. الأفضل أن تكون المواعيد متحركة وغير مؤكدة، فلا تكون بداية هذا المستقبل بعيدة إلى درجة تعزز الشعور بفقدان الأمل ولا تكون قريبة إلى درجة تتطلب توافر قدرة واستعداد لفهم ما يحمله هذا المستقبل، فالشعوب التي على هذه الحال من ldquo;اللاثقافةrdquo; بعد هلاك ثقافتها لن تفهم مضامين هذا المستقبل المبكر أو مفاهيمه، لأن أغلب مضامينه تقع خارج إطار الثقافة الراحلة ولا يمت بصلة لأحوال الناس وأساليب حياتهم.

نقارن، في الأسبوع القادم، بين ما طرحته حكومة الولايات المتحدة على شيوخ قبائل ldquo;الغرابrdquo; كحل لمشكلة ldquo;الحياة من دون ثقافة أو أرض أو جيشrdquo;، وما جرى ويجري لشعوب أخرى في منطقتنا الشرق أوسطية مطروح أو مفروض عليها، الحل نفسه. شعوب محرم عليها العودة إلى الثقافة المهددة أو إنعاشها ومحرم عليها ابتكار حلول وخيارات أخرى غير الحل الوحيد المطروح من الثقافة الغازية والمهيمنة.