د. عيسى العنزي
عرضت مواقع الإنترنت المختلفة لقطات تصوير بالهاتف المحمول لجريمة قتل بشعة, كان المعتدي مجموعة كبيرة من أشباه الرجال والذين كانوا يستخدمون الحجارة بأحجامها المختلفة, إلى جانب الركل بالاقدام وبأقصى شدة, كأنهم يمارسون مختلف المهارات في كرة القدم. ولكن من كانت الضحية؟ وماذا كانت جريمتها؟
الاجابة على هذا التساؤل تشكل فاجعة, وإهانة كبيرة لانسانيتنا, وفحولة قادة الدول العظمى, وفضيحة مدوية لارجاء البيت الأبيض, وعار يسجله التاريخ على كل سياسي وصاحب قرار يتخذ من المنطقة الخضراء جحراً للاختباء, وهزة تخلخل بنيان ومبادئ المنظمات الدولية الداعية لحماية حقوق الإنسان, وعلى رأسها الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية ومراقبة حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان وغيرها الكثير.
لقد كانت الضحية طفلة لم تتجاوز من العمر السابعة عشرة, خاصة وأن المادة الاولى من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1990 التي انضم لها العراق عام 1994 نصت على ان الطفل هو raquo;كل إنسان لم يبلغ من العمر الثامنة عشرةlaquo;. وبالتالي فإن الاعتداء على هذه الفتاة هو اعتداء على طفل يتمتع بجميع الحقوق الواردة في اتفاقية حقوق الطفل, بما في ذلك حقه بالحياة . وقد أكدت المادة 3 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على حق الحياة, وساندته المادة 6 من اتفاقية حقوق الطفل التي أكدت على أن حق الطفل بالحياة لا يتفرع من والديه, وإنما هو حق مستقل به, لا يجوز الاعتداء عليه حتى من أقرب المقربين إليه وهما والداه.
ولم يقف الأمر عند الاعتداء على حق الطفلة بالحياة, بل حتى اسلوب هذا الاعتداء الذي يحمل في ثناياه تعذيبا ومعاملة مهينة. وقد نصت المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن raquo;لا يعرض أي انسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامةlaquo;, كما ساندته في دعم هذا الحق المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل , ويعتبر السحل والركل والرجم وكشف العورة من صنوف التعذيب العلني والمعاملة المهينة الحاطة للكرامة.
وما جريمتها? ويا ليتها ارتكبت جريمة, كل ما نسب لهذه المسكينة انها مارست حقها بالاعتقاد, ذلك الحق الذي كفلته جميع الديانات, وكفله القانون الدولي المعاصر, فقد نصت المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان على ان raquo;لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين. ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته او عقيدتهlaquo;.
كما نصت اتفاقية حقوق الطفل في المادة 14 منها على ان raquo;تحترم الدول الاطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين, وتحترم الدول الاطراف حقوق وواجبات الوالدين وكذلك, تبعا للحالة, الاوصياء القانونيين عليه, في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورةlaquo;. فاذا كان ما نسب لهذه الطفلة أنها غيرت ديانتها من الزيدية الى الاسلام فهو حقها, ولايجوز الاعتراض عليه, أو حرمانها منه. وعلى الحكومة ممثلة بسلطاتها المختلفة بما في ذلك وزارة الداخلية والتي شهد بعض اراغوزاتها هذه الجريمة البشعة, من دون أن يحركوا ساكنا, ان تضمن تمتع كل الافراد على اقليمها بهذه الحقوق . ولاشك بأن اتفاقية حقوق الطفل كفلت للوالدين حق التدخل في تربية الابناء, إلا ان هذا التدخل يقف عند حد توجيه الطفل, من دون الحق في اكراهه على اتباع دين دون آخر.
والمؤلم , المخيف من مستقبل هذه الأمة , أنه لم يتقدم أي من الحضور بالتحرك لمحاولة منع هذه الجريمة, على الرغم من أن بينهم بعض رجال الشرطة, الأمر الذي يجعل كل من شهد الجريمة, وصورها بهاتفه النقال, وشارك بالقاء الحجارة, أو كشف عورة هذه الصغيرة أو كان يحث الحضور على قتلها بالصياح كتلوها, raquo;كتلوهاlaquo; شريكاً سابقا اصليا أو لاحقا في هذه الجريمة بحسب الأحوال.
وتعتبر حكومة المالكي مسؤولة مسؤولية دولية عن هذه الجريمة لتخليها عن مسؤولياتها بموجب اتفاقية حقوق الطفل للعام ,1990 والتي تنص في المادة 2 منها على أن raquo;تحترم الدول الاطراف الحقوق الموضحة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكل طفل يخضع لولايتها من دون أي نوع من أنواع التمييز, بغض النظر عن عنصر الطفل او والديه او الوصي القانوني عليه أو لونهم أو جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو رأيهم السياسي أو غيره أو اصلهم القومي أو الاثني أو الاجتماعي, أو ثروتهم, أو عجزهم, أو مولدهم, أو أي وضع آخر, raquo;إلا أن العرقية والاثنية والطائفية تنخر العراق بشكل يكاد يقضي على كل من به والعياذ باللهlaquo;.
اليوم ندعو منظمة اليونسيف واللجنة الدولية لحقوق الطفل لدى منظمة الأمم المتحدة ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان بمتابعة هذا الموضوع والضغط على حكومة العراق لمحاكمة الجناة في هذه الجريمة. كما ندعو الولايات المتحدة الاميركية بصفتها الحاكم الفعلي للعراق ان تضغط على هذه الحكومة من أجل رد اعتبار هذه الطفلة ولكل طفل يفكر او يستخدم حقه بالاعتقاد والتفكير, وإلا فإن شعوب أجيال العالم الثالث المقبلة لن تختلف كثيرا عن أجيال العالم الثالث المعاصرة.
وإن مركز بدر للدراسات والبحوث الستراتيجية ممثلا بوحدته القانونية ليعلن عن تطوع مستشاريه لتولي مهمة متابعة الاجراءات القانونية لمحاسبة الجناة عن هذه الجريمة بالتنسيق مع جهات الاختصاص حول العالم والعراق.
وبما أن الطفلة قد قتلت ضحية عقيدتها وعلى ملة الإسلام, فإنها ان شاء الله في جنة الخلد مستقرة raquo;ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقونlaquo;.
* كاتب كويتي













التعليقات