ناصيف حتّي

في الوقت الذي تُبدي فيه الولايات المتّحدة الاهتمام الأكبر بالمجتمعات العربية بعد عقود من السياسة الصلِفة القائمة على الدعم غير المشروط تقريباً للستاتيكو، وفي الوقت الذي تبدأ فيه بالحديث عمّا يُسمّى في المصطلحات الأكاديمية quot;هندسة مجتمعيةquot; أو دمقرطة عسيرة، مطبَّقة على عجل أو مفروضة إنّما ضرورية ومرغوب فيها من العرب، صورة الولايات المتّحدة هي في أدنى مستوياتها في الرأي العام العربي. إنّه سيندروم الديموقراطيين العرب: كيف يتبنّون خطاباً بينما يعارضون مَن تنصِّب نفسها بطلة لهذا الخطاب وتتعارض مواقفها من مسائل الهويّة الكبرى والرهانات الأساسية في العالم العربي، بصورة جذرية مع المصالح والأهداف العربية المعترف بمشروعيّتها.
بقدر ما يسير النظام الدولتي الإقليمي نحو التفكّك، بقدر ما يشهد النظام المجتمعي العربي العابر للجنسيات دفعة اندماج لا سابق لها. توصّلنا إلى هذا الاستنتاج أثناء الحرب الإسرائيلية على لبنان في آب 2006، وذلك من خلال صعود القنوات الفضائية العربية، مثل قناة quot;الجزيرةquot;، التي أصبحت المكان الذي يجري فيه توحيد النظرة إلى الأولويات العربية وطريقة التعاطي معها. إذا كانت الإيديولوجيا العروبية تبدو في كلّ متغيّراتها أمراً من الماضي، فإنّ الهوية العربية تبقى قوية وتعبّر عن نفسها بأشكال متعدّدة غير منتظرة بما في ذلك من خلال الخطاب الإسلاموي.
يمكن تعريف الشرق الأوسط انطلاقاً من أزماته المتعدّدة. بقدر ما هي مستقلّة في أسبابها العميقة، بقدر ما تتكافل هذه الأزمات في ديناميّاتها. إنّها رهينة بعضها البعض من خلال مستوى عالٍ جداً من التضارب في ما بينها. فتقسيم المجموعات الإقليمية الفرعية في السياسة الدولية والإقليمية لا يُترجم بالضرورة فصلاً محتملاً وناجحاً وعملياً ووظيفياً بين الرهانات الإقليمية.
ولّدت ظاهرة إضعاف الدولة لمصلحة فاعلين غير دولتيين، فراغاً سياسياً وديبلوماسياً. والأمثلة على هؤلاء الفاعلين غير الدولتيين كثيرة، من quot;حماسquot; وquot;الجهادquot; في فلسطين إلى الفصائل المختلفة في العراق مروراً بـquot;حزب اللهquot; في لبنان. بغضّ النظر عن الانتماءات الإيديولوجية والتوجّهات الاستراتيجية أو السياسية، يصوغ هؤلاء الفاعلون جدول الأعمال الحقيقي والديناميات السياسية في هذه المنطقة من العالم. تُظهر الملاحظتان الأخيرتان كم تتعمّق الهوّة بين الدولة والمجتمع، وتطرحان مشكلة عميقة حول شرعية الدولة وتدعوان إلى إيجاد حلّ لها.
كان انهيار العراق أكبر انقلاب استراتيجي في الشرق الأوسط في النصف الثاني من القرن العشرين. لقد دمّر بنية السياسة الإقليمية والدولية. فمن دولة كان الأميركيون يعتبرونها دولة مارقة، نحن الآن أمام دولة خائرة القوى. ومن دولة كانت تؤدّي دور الثقل الموازِن الرادع في وجه إيران، انتقلنا إلى حقل لجذب التدخّل والتورّط الإيرانيين. إذا كانت الطبيعة تكره الفراغ، فالسياسة تكرهه أكثر أيضاً. كان العراق القويّ أسهل إدارةً في تهديداته من العراق العاجز، من غياب الدولة الحالي في العراق. بين من كانوا يرون فائدة في الفوضى المضبوطة ومن كانوا ينادون بفضائل الفوضى البنّاءة، وجدنا أنفسنا أمام فوضى مزمنة ذات نتائج وطنية وإقليمية ودولية لا تُعدّ ولا تُحصى.

جماعات ومواجهات

نشهد على يقظة جغرافيا الجماعات لا سيّما في المشرق، بين الخليج والمتوسّط، من الشيشان إلى صور. تخضع مجتمعات متعدّدة لضغط التفكك الى جماعات، هذا الخطاب الجديد الذي يتقدّم بغضّ النظر عن غلافه الشفّاف أحياناً، وينسج تضامنات على أساس الهوية ضمن الدولة الواحدة أو عبر الدول على حساب الدولة. هذه اليقظة هي ثمرة عوامل عدّة من بينها فشل الهويات الوطنية العلمانية، وتحوّل إسلاموية سنّية ما نحو الراديكالية، والرغبة في الانتقام لدى الشيعة في إيران وعلى وجه الخصوص في العراق.
تداعيات إعادة هيكلة الحقل الوطني والخطوط الجديدة للانقسامات والتشنّجات هائلة: في التقليد السياسي العربي، يتحدّث خطاب يتكرّر باستمرار عن اتفاقية سايكس - بيكو(1)، أي تقسيم ما كان يُعرَف في السابق، تاريخياً، بسوريا الكبرى. حالياً، يستخدم كثر عبارة quot;سايكس-بيكوquot; للإشارة إلى التقسيمات التي تجريها أيادٍ عربية داخل كلّ بلد عربي، ويُقال إنّها تحظى بتشجيع من الخارج إنّما تجد أرضاً خصبة لنجاحها. بدأت حالة حرب أهليّة تسود في بعض البلدان العربية من دون أن تنفجر حرب أهلية مسلّحة. يحمل هذا التفكّك حول خطوط مذهبية مخاطر جمّة ويجلب ndash; كما يسهّل في بعض الأحيان ndash; التدخّلات الخارجية.
أستعير من صديقي أوبير فيدرين مفهوم القوّة العالمية المفرطة لأقول إنّ المحور الأساسي - إنّما ليس الحصري - للصراع في الشرق الأوسط يرتسم الآن حول المواجهة الاستراتيجية والإيديولوجية بين الولايات المتّحدة وإيران، بين القوّة العالمية المفرطة والقوة الإقليمية المفرطة. تغرق الأولى في النزاعات بينما تفيد الثانية منها. أصبحت إيران قوّة مفرطة لأسباب تتخطّاها لكنّها تسمح لها بأن تفيد من بعض الظروف النزاعيّة الخاصة في المنطقة. تتواجه استراتيجيّتان كبريان: تخوض الأولى معركتها باسم الله الكلّي القدرة، وتخوض الثانية المعركة نفسها باسم قوّة الديموقراطية. نحن في منطق من الإغلاق التام، نوع من التبادل للصفات الشيطانية. وعندما يكون هناك تبادل للصفات الشيطانية، يصبح هناك ميل إلى جعل النزاع مستقطَباً وإلى تحجيره في منطق من الاستقطاب الثنائي.

ميدان مفتوح أمام حركات الجماعات

ما عسانا نقول عن هذه الأزمات؟ في العراق، أرادوا فرض الديموقراطية خارج الدولة، أو بالأحرى في غياب الدولة بعد كسر آليات الدمج الوطني العراقية مثل الجيش والإدارة بذريعة quot;اجتثاث البعثquot;. خلطوا بين الانتخابات والإحصاءات السكّانية، عبر الاستعانة بالنموذجين الياباني والألماني المختلفين جداً. لأنّ ما حصل في العراق هو إحصاءات سكّانية، أو بالأحرى انتخابات داخل كلّ جماعة. في غياب الفاعلين السياسيين العابرين للجماعات الذين ألغتهم السياسة الأميركية أو أضعفتهم، بقي الميدان مفتوحاً في شكل كامل أمام احزاب الجماعات وحركاتها من مختلف الأنواع.
من الصعب جداً في الوقت الراهن التفكير في إمكان quot;تجبيرquot; العراق. أخشى ألاّ يكون مستقبل العراق في السيناريو الأكثر تفاؤلاً شبيهاً بماضي لبنان: نظام من الديموقراطية التوافقية وانغلاق الجماعات حيث تتّخذ كلّ أزمة على الفور منحى متفجّراً مرتبطاً بالهويّة. كوني لبنانياً، فإنّ هذا النموذج الذي يحتاج إلى إعادة نظر كلّ خمس أو عشر سنوات يقلقني كثيراً، لأنّه نظام مشبَع بالفيتو ومسبِّب للمآزق والتشنّجات والنزاعات، إنّما وفي شكل خاص هشّ أمام أيّ تغيير خارجي أو داخلي.
من جهة أخرى، يرى بعضهم مستقبل لبنان في الحاضر العراقي. وهذا مقلق جداً.
الخيارات المتاحة أمام العراق في منطق الأحادية الأميركية متعدّدة. أحدها هو متابعة المسار: quot;فتنمةquot; بخطى واثقة إن لم يكن بخطى مرغَمة لأنّه من الصعب كما يبدو على الإدارة الأميركية أن تعود إلى الوراء. والخيار الثاني هو انسحاب فوري، الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى فوضى شاملة. إنّها استراتيجيا الابتزاز من جانب الأميركيين. لأنّه إذا انسحبت أميركا في شكل كامل الآن، فغداً ستتورّط إيران بالدرجة الأولى ثم جيرانها الواحد تلو الآخر. إنّه سيناريو التفشّي الإقليمي للتورّط والفوضى. والاحتمال الثالث هو جعل الانفجار انهياراً من الداخل. من أجل تفادي انفجار قاتل تصل شظاياه إلى خارج الحدود العراقية، ومن أجل كبح الحرب والتشنّجات التي تسبّبها، تكمن هذه الاستراتيجيا في إعادة انتشار القوّات الأميركية على حدود الأراضي العراقية. وتحاول، كما يقول البعض، أن تعهد بالمسائل الأمنية في ما يشبه quot;التعاقد من الباطنquot;، وفي مقابل دعم ضمني، إلى القوّات المسؤولة عن كلّ جزء من الأراضي العراقية. هكذا تصبح المسؤوليّة عن نشر الاستقرار محلّية الطابع. وضع الاستقرار في عهدة أهل البلاد من خلال نظام التعاقد من الباطن، هذا هو الخيار مع تسويات وتوازنات مستمرّة بين الجماعات.
أمّا في ما يتعلّق بإيران، فقد أصبح هذا البلد قوّة متوسّطية. من دون العودة إلى التاريخ الفوري، إلى مفارقاته وسخرياته، تجدر الإشارة إلى أنّ واشنطن هي التي حرّرت إيران من عدوَّيها، حركة quot;طالبانquot; وصدّام. سمحت السياسة الأميركية لإيران بأن تفرض نفسها قوّة إقليمية مفرطة. إنّها موجودة الآن في جنوب ثلاثة بلدان: جنوب لبنان وجنوب فلسطين وجنوب العراق، ثلاث مناطق مهمّة جداً ليس فقط من وجهة نظر جغرافية إنّما أيضاً جيوسياسية. يسمح هذا لإيران بأن تفرض نفسها لاعباً أساسياً في كل النزاعات الإقليمية. ولم يؤدِّ المأزق القاتل في الصراع العربي - الإسرائيلي والغياب الكامل للعمل من أجل السلام في المشكلة الفلسطينية سوى إلى تغذية الراديكالية التي سمحت لكلّ من يملكون الرغبة والقدرة بأن يستغلّوا هذا المأزق بكلّ سهولة من أجل تحقيق مآرب خاصّة.

تهميش الصراع العربي - الإسرائيلي

تكمن قوّة إيران، بغضّ النظر عن العوامل الكامنة التي تكفي وحدها للسماح لها بالطموح إلى احتلال موقع القوّة الإقليمية العظمى، في قدرتها على فرض نفسها في موقع القوّة الإقليمية المفرطة والتي أسمّيها quot;ظاهرة المحقّق كلوزوquot;: التواجد في الزمان والمكان المناسبَين والإفادة من الوضع ومن الظروف.
في ما يتعلّق بالصراع العربي - الإسرائيلي، تكفي الإشارة إلى أنّه جرى تهميشه سياسياً منذ وصول الإدارة الأميركية الحالية إلى السلطة وفي شكل خاص بعد أحداث 11 أيلول لأنّه أصبح مجرّد نتيجة من نتائج غياب الديموقراطية والحضور القوي للإيديولوجيا الإسلامية والراديكالية في العالم العربي، وانهار ديبلوماسياً، فحلّ مكانه ما تحوّل شعاراً جيوإستراتيجياً آخر يرفعه المحافظون الجدد الأميركيون الذين أرادوا التركيز على بغداد من أجل بلوغ القدس.

ترجمة نسرين ناضر

(1) 9 أيار 1916: اتفاق بين إنكلترا وفرنسا حول الأمبراطورية العثمانية.

باحث واستاذ جامعي، سفير الجامعة العربية ورئيس بعثتها في باريس