قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

جميل مطر

أتصور، مع قدر كبير من التفاؤل، أنه آن الأوان لتقترب مرحلة الانكسارات العربية من نهايتها. يدفعني إلى هذا التصور وما يصاحبه من تفاؤل متعمد حقيقة أن الأوضاع في معظم الأقطار العربية، وكذلك الأوضاع الإقليمية والدولية وخاصة أوضاع النفط والتجارة العالمية، لا يمكن أن تتحمل مزيداً من الانكسارات الداخلية أو الإقليمية في الشرق الأوسط.

لقد تعقدت خلال السنوات الأخيرة غالبية مشكلات المنطقة لأسباب كثيرة، أختار منها سببين أساسيين: أولهما أن المشكلات اجتمعت في وقت واحد وعادتها في التاريخ وتجارب الشعوب الغربية أن تأتي متوالية ولا تجتمع حتى تتراكم. عندنا اجتمعت فتراكمت وتعقدت حلولها وتشابكت مع مشكلات خارج الحدود وأزمات خارج الإرادة أو فوق السيادة.

السبب الثاني أن أهل المنطقة ملّوا الانتظار ونفد صبرهم. ولكن قبل أن يفقدوا الأمل تعلقوا بقوى أعلى من القوى الدنيوية التي نصّبت نفسها حكومات وزعامات وأحزاباً، أو عادوا يبحثون تحت أوطانهم عن ملاذات آمنة تحميهم من تجاوزات مؤسسات خشيتها الأعظم أن تفقد نهائياً دورها ووظيفتها، إذا استمر المواطنون يختفون بالهجرة إلى الخارج أو بالاعتزال والانعزال أو بالركون إلى بساطة البدائيات وأمنها.

لقد دخل العرب، كما دخلت شعوب أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا تجربة الانتقال إلى الديمقراطية في السنوات الأخيرة. وتراوحت إنجازات الشعوب في هذه التجارب. البعض كما في تشيلي وماليزيا والبرازيل والمكسيك حقق نتائج مشجعة سمحت له بالتفرغ نسبياً لحل مشكلات أخرى غير سياسية، ومنها المشكلات العويصة التي خلفتها السياسات التي نصحت بها أو فرضتها المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية خلال عقدي الثمانينات والتسعينات. بعض آخر من هذه الشعوب مثل شعوب بوليفيا وفنزويلا وروسيا وجورجيا اكتشفت أن الانتقال إلى الديمقراطية لن يتحقق بالمعدلات المتسارعة التي بدأت بها تجارب الانتقال، وأنه لابد من استعادة التوازن الاجتماعي أولاً وبناء اقتصاد وطني سليم، فتأجل الانتقال إلى الديمقراطية وجاء التعويض في جوانب أخرى كالاقتصاد أو المكانة الدولية أو عدالة اجتماعية أوفر.

وهناك بعض ثالث من الشعوب أو من الحكومات، بقي متردداً ولم يمد يده أو يبذل جهداً لتحقيق انتقال إلى الديمقراطية أو لتطوير أساليب حياته ونفض غبار التاريخ عن إمكاناته وذكائه، فاجتمعت المشكلات وتراكمت ثم تفاقمت، يدخل في هذا البعض الثالث دول متنوعة بتنوع المذاهب والعقائد والسياسات، منها دول عربية غير قليلة العدد مثل باكستان وبورما وأفغانستان وغيرها من دول وسط آسيا، وتعقدت الحلول.

بات واضحاً في حالات بعينها أن التجربة القصيرة الأمد في عملية الانتقال إلى الديمقراطية أفرزت سلبيات لم تكن أغلب الحكومات مستعدة لها. واتضح أيضاً أن الإيجابيات خرج أغلبها مشروطاً أو ناقصاً. بمعنى آخر حدث للإصلاح السياسي ما سبق أن حدث للإصلاح الاقتصادي. ففي الحالتين لم تستعد أنظمة الإصلاح لمواجهة السلبيات، ولم تتحصن بالإرادة الكافية، أو ربما لم يتوفر لديها الاقتناع الكامل بضرورة دعم الإيجابيات وحمايتها.

من ناحية ثانية استمر تواضع المكانة الدولية للعرب عموماً. يأخذون في الخارج على الدول العربية ترددها في إجراء إصلاحات سياسية وأحياناً الامتناع نهائياً عن الدخول في عملية انتقال نحو الديمقراطية، حتى قيل عن العرب إنهم مناهضون للنهضة ورافضون للمشاركة في مسيرة الحضارة الحديثة. إلا أن السبب الأهم في رأيي وراء هذه المكانة المتدنية هو ضعف إرادة تشغيل الإمكانات العربية التي تخصصت لخدمة السياسات الخارجية للدول العربية، فالإمكانات متوافرة وفي صدارتها وقوع المنطقة جيواستراتيجياً على خطوط التماس بين الدول الغربية العظمى والدول الصاعدة كالصين والهند والمتجدد صعودها كروسيا. ولم تحاول أغلب الدول العربية حتى الآن تشغيل هذا الرصيد.

ومن الإمكانات الأخرى المهدرة الخبرات الفردية والمؤسسية الطويلة في إدارة السياسة الخارجية وفهم أصولها والتوظيف الأمثل لأرصدتها ومنها على سبيل المثال مراكز البحث العلمي والتحليل السياسي، ولا تزال ظروف هذا الهدر وأسبابه محل جدل، وإن كان بعض المحللين يميل إلى الرأي القائل إن عدداً من الزعماء العرب يعتقد أن ممارسة سياسة خارجية نشطة يحتوي على مغامرة لا يجوز الإقدام عليها في عصر توحشت فيه ضغوط الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة. ويعتقد آخرون أن quot;إسرائيلquot; أصبحت بالفعل فاعلاً أساسياً في منظومة السياسات الخارجية الشرق أوسطية أو المتعلقة بالشرق الأوسط، عن طريق الدور الاستثنائي الذي تقوم به بدوافع ذاتية أو تكلفها به الولايات المتحدة. ويتوفر الظن، عندي على الأقل، بأن quot;إسرائيلquot; لديها الآن القدرة الفعلية على توظيف السياسات الخارجية لبعض الدول العربية لخدمة مصالحها في الإقليم والعالم، ونجحت في حالات معروفة في شل فاعلية سياسات خارجية عربية أخرى.

من ناحية ثالثة طغت الهجرة بموجاتها وأفكارها ومشكلاتها الاجتماعية على كثير من أوجه الحياة السياسية والاقتصادية في كثير من الدول العربية، منها دول مستقبلة للهجرة ومنها أيضاً دول مصدرة. ولا تخفى عواقب الزيادة الهائلة في موجات الهجرة سواء من جهة دول الكثافة السكانية مثل مصر وبلاد شمال إفريقيا، أو دول التوتر وعدم الاستقرار مثل لبنان والعراق والسودان، أو من جهة دول الوفرة في النفط وفرص العمل. هذه العواقب ليست جديدة بالنسبة لدول الخليج، فالهجرات الآسيوية لها قديمة ومشكلاتها معروفة والجديد فيها هو الوفرة الطارئة في الثروة، ولكن أيضاً في العزم المتزايد لدى شعوب جنوب آسيا على التوجه الى الخليج بأعداد كبيرة وبمشكلات اجتماعية وسياسية أكثر. أما في دول الكثافة السكانية فالهجرة منها تحمل معها إلى أوروبا غضباً مكبوتاً مع بطالة متفشية وفساد مستشر وسوء إدارة وحريات ناقصة وقمع مؤسسي، وكلها هجرات تسيء إلى مكانة العالم العربي لأنها تذكّر العالم الخارجي بقوارب الهجرة الفيتنامية، وتشهد على إهمال السلطة في الدول العربية لرعاياها واستهتارها بأرواح مواطنيها. ومهما كانت ضخامة العائد النقدي فإنه لا يعادل الفقد المعنوي والهدر السياسي بسبب تدني المكانة الدولية، بالإضافة إلى ما تتسبب به الهجرات من هذا النوع من انحسار في معنويات الشعوب وتراخي الشعور الوطني.

من ناحية رابعة، تواصل انحسار quot;الدولةquot; في العالم العربي كمؤسسة حامية للشعب وراعية لرفاهيته الاجتماعية والصحية والتعليمية. ومع ذلك فإنه على الرغم من هيمنة فكر أيديولوجي أوحد يفرض بيع أرصدة الدولة للقطاع الخاص من دون تمييز بين نوع وآخر من الأرصدة أو بين نوع وآخر من المشترين الخواص. ويتكثف توجه دول عربية قليلة ودول أخرى كثيرة في العالم لشراء شركات خاصة عملاقة في الداخل والخارج على حد سواء. بمعنى آخر دخلت دول كمنافس للقطاع الخاص رغم التزامها بدعمه ومنحه الأسبقية، بينما تتنازل دول أخرى عن سيادتها قسطاً بعد قسط حتى كاد بعضها يفقد مقومات الدولة سيادياً وسياسياً باستثناء المقوم الأمني المتزايد الأهمية. لا مبالغة في رأيي عندما يقال إن الأمن الداخلي في بعض الدول العربية أصبح يمثل التعويض المناسب لحال انكشاف ضعف الدولة في الساحة الدولية أو انكشاف عجزها عن أداء واجباتها الاجتماعية والاقتصادية.

في كل هذه النواحي أو الأزمات الأربع تنتصب جاهزة أركان الخلاص العربي. أول ركن من أركان هذا الخلاص هو ضرورة الاعتراف بحجم quot;المسألةquot; العربية واختيار أكفأ القادة السياسيين والإداريين القادرين على النهوض بمسؤولية كشف الغمة. ثاني الأركان هو إزالة quot;عشوائية السياسة الخارجيةquot; والتخلص من quot;واقعية البعد الواحدquot; التي تقوم عليها سياسات التركيز على quot;الأعظم والأوحدquot;، بينما هذا الأعظم لم يعد أوحد والصاعدون كثر، ومصادر القوة الصلبة والمرنة والناعمة متوافرة تنتظر فقط من يعترف بوجودها، وبعد اعترافه بها يوظفها. ثالث الأركان، أن تخرج الدول العربية من quot;الجيتوquot; الذي فرضت على نفسها العيش فيه أو فرضته عليها قوى أجنبية، وأن تتعظ من ماضيها القريب فتنشئ نظاماً أو مشروعاً للتعليم والتدريب يضبط سياسة العمالة وينظم عمليات الهجرة حيثما كانت وجهتها. أما الركن الرابع، ولعله الأهم، فهو إعادة النظر بكل صراحة وجدية في موضوع الحرب على الإرهاب. لقد أدت هذه الحرب بين ما أدت إلى إحداث شروخ في العلاقات بين شعوب العرب وحكوماتهم ثم تعميقها، وأتى الانسياق وراء نظرية quot;الحكم بالأمنquot; بالكوارث على شعوب عديدة، وها هي أمم تنفرط على وقع معزوفة الحرب على الإرهاب. وفي اعتقادي أن الاستقرار لن يتحقق وتستعيد quot;الدولةquot; مكانتها، كقائد ومعلم وحامي الحمى إلا إذا استعادت التوازن إلى العلاقة بين أطراف ثلاثية الأداء الأمني والأداء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأداء الدبلوماسي في الساحة الدولية.

يبقى ركن خامس لا يتحدث عنه أحد إلا عابراً، رغم أنه الركن الذي يمكن بواسطته تثبيت دعائم الأركان الأربعة أو نجعله القفزة التي نثبت بها للمجتمع الدولي أن لنا حقاً في المشاركة في صنع القرار الدولي وصنع مستقبل هذه الأمة، إنه الإعداد الجيد لمؤتمر القمة العربية الذي سيجري تخصيصه للاقتصاد والتنمية، والمقرر عقده في الخريف المقبل. فليكن هذا المؤتمر على مستوى التحول الذي قاده الرئيس دينج تشاوبنج في الصين منذ ثلاثين عاماً، أو الحرب التي أشعلها فلاديمير بوتين ضد الانفراط والفساد والانهيار، أو المشروع الذي وضعه الآباء المؤسسون لأوروبا الحديثة في عقد الخمسينات، أو، وهو أقل المنى، كالأفكار التي طرحها رواد التكامل العربي وغيرهم من حملة مشاعل التقدم العربي.