قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ميغيل أنخيل موراتينوس - الموندو

إثر مرور عدة سنوات اتسمت خلالها عملية السلام في الشرق الأوسط بالركود، يجب ألا تأخذنا الدهشة حيال قيام بعض قادة الرأي بالتقليل من أهمية نتائج مؤتمر السلام الدولي الذي انعقد في أنابوليس مؤخرا. بيد أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أشار، مع ذلك، إلى أن أنابوليس يشكل أهم معلم منذ مؤتمر السلام الأول الخاص بالمنطقة، الذي انعقد في مدريد عام 1991.

وأنا أعتقد كذلك أننا خطونا خطوة مهمة جدا نحو حل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي على طريق بلوغ السلام الشامل والعادل والدائم في المنطقة كلها. من نافلة القول إن هذه المهمة لن تكون سهلة على الإطلاق. فالتصريحات والبيانات الاحتفالية واللقاءات الدبلوماسية لا تكفي بحد ذاتها من أجل تغيير وجهة الأحداث،

حيث ستكون هناك حاجة ماسة لجرعات كبيرة من الإرادة السياسية والتنسيق بين اللاعبين الدوليين الرئيسيين الذين اجتمعوا مع الرئيس جورج دبليو بوش ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس في مقر الأكاديمية البحرية في ولاية ميريلاند الأميركية.

كما سيتعين على الأطراف مواصلة التقدم على صعيد تطبيق إجراءات بناء الثقة، على غرار تجميد بناء المستوطنات أو تحسين ظروف تنقل وحركة الفلسطينيين. فيما يتعين على السلطة الفلسطينية العمل على تزويد الإسرائيليين بجرعة أكبر من الأمن.

لكن سيتعين على الأطراف، قبل هذا وذاك، الاتفاق فيما بينهم حول ماهية التضحيات المؤلمة التي سيتعين عليهم، بصورة حتمية، القيام بها على مذبح اتفاق السلام، على غرار ما أقره بشجاعة رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت.

إن أول ثمرة ملموسة لمؤتمر أنابوليس تمثلت على وجه التحديد في إطلاق المفاوضات المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول قضايا ما يسمى laquo;الوضع النهائيraquo;. فبعد أن ظلت المفاوضات الأخيرة من هذا النوع معطلة على مدار سبع سنوات خلت،

ها هي الأطراف المعنية تشير الآن ولأول مرة إلى مهلة محددة- نهاية 2008 ـ للتوصل إلى اتفاق حول جميع تلك القضايا : الحدود وموارد الدولة الفلسطينية الجديدة وسكانها ـ بما في ذلك حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين ـ ومؤسساتها والقدس وعلاقاتها الثنائية المستقبلية، فضلا عن الجوانب الأمنية التي لا مناص منها.

اليوم، بات حل الدولتين الذي تبناه الرئيس بوش يثير توافقا واسعا بين العرب والإسرائيليين. وكل من يريد السلام حقا في المنطقة عليه أن يعترف أولا بأن الحل يقوم على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب إسرائيل.

بالإضافة إلى طابعه التأسيسي، القائم على مبدأ الأرض مقابل السلام، فإن مؤتمر مدريد عام 1991 كان له طابع مهم آخر، عاد بدوره وبعد غياب دام سنوات أيضا، للظهور بصورة تدعو إلى البهجة في أنابوليس. إذ يتعلق الأمر بالأهمية الخاصة التي أعطيت للسلام الذي يتعين على إسرائيل التوصل إليه مع كل من لبنان وسوريا.

في حين بذلت اسبانيا جهودا كبيرة من أجل إرساء الاستقرار في لبنان عن طريق مشاركتها المهمة في بعثة السلام التابعة للأمم المتحدة الموجودة هناك والمعروفة باسم قوات laquo;يونيفيلraquo;. ذلك أن لبنان مستقر ومستقل سيكون في ظروف أفضل لمواجهة هذا التحدي، كما أننا عملنا كي تتمكن سوريا، التي تتمتع بموقع مركزي في كنف الأسرة العربية، من رؤية ثمار التعاون مع المجتمع الدولي لصالح السلام في وقت قريب.

لقد مثلت مبادرة السلام العربية الأرضية المناسبة، التي سمحت بأن تكون كافة البلدان العربية ممثلة في أنابوليس. لكن هناك ضرورة أيضا لمواصلة تطوير هذه المبادرة، المدعوة إلى التحول إلى حجر الزاوية في عملية سياسية متجددة بين إسرائيل والبلدان العربية.

لقد قدمت اسبانيا، على مر السنين، مساهمة مهمة في عملية التطبيع بين إسرائيل والبلدان العربية، على سبيل المثال، عن طريق العملية الأورومتوسطية التي انطلقت من برشلونة عام 1995.

كما تبنت اسبانيا في الفترة الأخيرة سلسلة كاملة من المبادرات مطالبة بمؤتمر دولي تعتبره الطريقة المثلى لفك الحصار عن عملية السلام. وهذا ما تم الاتفاق بشأنه العام الماضي في جنيف بين رئيس الوزراء ثاباتيرو و الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء الإيطالي،

وذلك انطلاقا من صيغة تمت معالجتها في laquo;أليكانتيraquo; مع بلدان عربية وأوروبية أخرى. ولقد حظيت هذه المبادرة بدعم الاتحاد الأوروبي بكامله. وهكذا، فإن مؤتمر أنابوليس، الذي أعدت له كوندوليزا رايس على أحسن وجه يمتثل لرؤية العلاقات الدولية التي تجد اسبانيا نفسها فيها بصورة كلية.

إن مشروع أنابوليس يطرح تحديات كبيرة أمام الجميع، حيث ستوضع قدرة اسبانيا على الوساطة والتحاور مع كافة اللاعبين في خدمة تحقيق هدفها المركزي المتمثل في تحقيق السلام. كما ستواصل اسبانيا كونها أحد المانحين الأكثر سخاء للشعب الفلسطيني، وذلك في قطاعات أساسية مثل الزراعة والتعليم وأمن المواطن. وسنحضر خلال الشهر المقبل مؤتمرا مهما للمانحين في باريس. كما يتعين على المجتمع المدني أن يكون له دور أساسي أيضا.

والرجال والنساء الملتزمون بالسلام عليهم أن يشكلوا بدورهم مصدر إلهام للقادة الذين يواجهون هذه المرحلة الحاسمة. وسيجتمع في مدريد خلال شهر ديسمبر الجاري المنتدى الاجتماعي من أجل السلام العادل في الشرق الأوسط، الذي دعا له العديد من المجالس البلدية المدريدية لهذا الغرض بالذات.

يتعين علينا جميعا حماية وصية أنابوليس أمام الريبة التي لم نعد قادرين على السماح بها وأمام حالة من اليأس سقط خلالها الكثير من الضحايا. ولقد تذكرت في أنابوليس الكلمات التي افتتح بها فيليبي غونزاليس مؤتمر مدريد عام 1991: laquo;اسبانيا جربت كذلك الثمرة المرة للمواجهة.

فلقد بقيت الأندلس والسيفاراد كذكرى لا تمحى بالنسبة للكثير من الأجيال من الرجال والنساء.. إذا كنا قد خبرنا مزايا التعايش ومرارة الفرص غير المستغلة، فكيف بوسعنا الآن عدم الشعور بأمل الطريق المفتوح نحو السلام في المنطقة؟raquo;.

لقد وضع القادة العرب والإسرائيليون رهانا حاسما على السلام. وعلى قاعدة سلام الشجعان التي التزم بها رابين وعرفات ، يتعين على اولمرت وعباس بناء laquo;سلام المواطنينraquo;. ويتعين علينا حمايتهما ومساندتهما.

في ظل التجربة المتراكمة خلال الـ 16 عاما التي مرت منذ مؤتمر مدريد، أتجرأ على القول إن هذه العملية التي استثمرنا فيها كل هذه الجهود تدخل الآن في مرحلتها النهائية، حيث لم نعد نتكلم كثيرا عن عملية أفقها يبتعد بينما نعتقد أننا نتقدم باتجاهه. فانطلاقا من أنابوليس، بتنا نعمل في عملية سلام ملموسة.