قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إبراهيم البليهي

إن العناية بالعقل والحرص على إدراك طبيعته والاهتمام بمعرفة قابلياته الجيدة والرديئة والاقتناع بمزاياه والاعتراف بنقائصه والاجتهاد في تنمية قدراته والعمل على تقليص هفواته هي من أهم أسباب التطور الثقافي والحضاري

يتحدث الناس عن العقل وعن المعقول واللامعقول ولكنهم لا يتساءلون عن أي عقل يتحدثون فالعقول تتنوع بتنوع البيئات كما أنها داخل البيئة الواحدة تتلون بتلون الاهتمام والقراءات والممارسات فلكل مجال من المجالات المهنية والعلمية والفكرية والعملية عقلية تناسبه فتفكير رجل المال يختلف عن تفكير رجل الفكر والفرق كبير جدا بين تفكير من يحصر اهتمامه باستمالة الآخرين وكسب موافقتهم وإقناعهم بما يريد كالمحامي والسياسي والواعظ والداعية وتفكير الباحث العلمي الذي يحصر اهتمامه بالبحث عن الحقيقة ويكون مستعداً لإعلان نتائج بحثه سواء كانت تتفق مع توقعاته أم تختلف فإذا كانت الاختلافات هكذا شديدة داخل الثقافة الواحدة فإن الحواجز بين الثقافات المتباينة تكاد تستعصي على الاختراق.

إن اهتمامات الناس هي التي تحدد مسارات تفكيرهم وهي تختلف نوعياً باختلاف الثقافات وتختلف من حيث المجال والدرجة داخل الثقافة الواحدة لذلك لا يصح الكلام عن العقل بشكل مطلق وإنما لا بد من التحديد فالناس يشتركون أو يتماثلون في القابليات لكنهم يختلفون اختلافات شديدة في البيئات فتختلف عقولهم بحسب اختلاف بيئاتهم لذلك لا يتقدم أي مجتمع إلا بمقدار استجابته للقيادات الفكرية الحرة وتغذية عقله من العقول المخالفة والاستفادة من الثقافات المغايرة فالتطور لا ينهض إلا على قدم الانتظار الذي يمثله الوضع السائد وقدم الاقتحام الذي يمثله المفكرون الذين يكشفون عطالة الوضع المستقر فالأصل أن الحس العام ذو حركة دائرية ولا يخرج عن عطالته وعن حركته الدورانية إلا بالاستجابة لمن يكشفون له هذه العطالة وهذا الدوران وبذلك يبدأ حركة الصعود وينطلق في آفاق الازدهار.

إن أغلب الناس يجهلون طبيعة العقل البشري ولا يحاولون أن يتعرفوا على إمكاناته ونقائصه ولا على قابلياته الجيدة والرديئة فيبقون محرومين من تنمية واستثمار أعظم ثروة يملكونها ويقعون فريسة سهلة للبرمجة السيئة فيهدرون بذلك إنسانيتهم ويتخلون عن امتيازهم إنهم لا يحاولون اكتساب مهارات التفكير ويتوهمون أن هذه المهارات متوفرة لهم تلقائيا فتبقى وظائف العقل العليا مجمدة ومعطلة ويقتصر استخدامهم للعقل على الوظائف الدنيا التلقائية وعلى فيضان اللاوعي المكتظ بخليط من الرواسب العفوية غير الممحصة وهم في الغالب لا يعرفون الفرق بين الوعي التلقائي المنساب من الخافية والوعي الاستثنائي الذي لا يحضر إلا باستنفار.

إن من يجهل طبيعة عقله تفوته مزاياه فلا ينميها ولا يستثمرها وتخفى عليه نقائصه فلا يحتاط عنها ولا يأخذ الحذر منها فتسيطر عليه إنه يظل محكوماً بالتلقائية وباللاوعي بينما هو يعتقد أن عقله في حالة إشراق مستمر ووعي دائم أما من يعرف طبيعة عقله فيدرك أنه جهاز مبرمج وأنه يتبرمج من البيئة تلقائيا وأنه يتحرك ويتصرف معظم وقته بالعادة انسياباً من اللاوعي وأنه لا يحتاج إلى استدعاء الوعي الحقيقي إلا في حالات الطوارئ وأن الوعي حتى في حالة الاستنفار محكوم أيضا بالبرمجة المستقرة في اللاوعي ولأن من يعرف طبيعة عقله يعي كل ذلك فإنه يستطيع تنمية واستنفار المزايا والتقليل من النقائص وبذلك يتمكن من استخدام قدراته بكفاءة وفاعلية ومهارة.

إن لكل ثقافة بداهاتها ولكل مجتمع معقولاته التي لم تخضع لأي فحص أو مراجعة أو تحليل وهي تختلف عن بداهات ومعقولات الثقافات الأخرى فالفرد في أي مجتمع حين يستنكر فكرة أو موقفاً وينفر ويحتج أو يأخذ موقفا معاكساً فيتقبل فكرة أو موقفاً مغايراً ويستسلم ويبتهج أو حين يعبر عن البداهة وعن المعقول واللامعقول فإنما هو محكوم بما اعتاد عليه وهو في الغالب لا يفطن بأن ما يعتبره شديد البداهة والمعقولية يعتبره أهل الثقافات الأخرى غريبا أو شديد الغرابة!! ولو أدرك كل الناس أن المعقولية والبداهة تتلون وتتنوع بتنوع الثقافات وأن ما هو مألوف في ثقافة يكون غريبا وشاذا في ثقافة أخرى لتقلص هذا الوثوق الساذج بما هو مستقر وسائد ومألوف ولتغيرت الأوضاع البشرية ولزال الكثير من أسباب الأحقاد والخصومات والنزاعات والتوترات والحروب.

إن العناية بالعقل والحرص على إدراك طبيعته والاهتمام بمعرفة قابلياته الجيدة والرديئة والاقتناع بمزاياه والاعتراف بنقائصه والاجتهاد في تنمية قدراته والعمل على تقليص هفواته هي من أهم أسباب التطور الثقافي والحضاري الذي أحرزه المزدهرون لقد تعرفوا على مزايا العقل فعملوا على تنميتها وعرفوا نقائصه فأخذوا حذرهم منها وحاولوا تقليصها لقد تغير مفهوم العقل ومر بتحولات عديدة تبعا لتطورات العلوم الإنسانية فقبل بزوغ الفكر الفلسفي وقبل ظهور العلوم كانت الرؤى عنه تقوم على التخرص الساذج والتخمين الخيالي وفي الغالب كان التخمين بعيداً كل البعد عن إدراك طبيعته بل إن الجهاز العصبي ووظائف الدماغ وعلاقة ذلك بالعقل وتخصص أجزاء الدماغ بوظائف عقلية مختلفة لم تكن معروفة في الثقافات القديمة فنشأ الناس على تصورات خاطئة ومفاهيم مغلوطة عن العقل ومازالت هذه التصورات والمفاهيم سائدة في الكثير من الثقافات التي لم تتأثر كثيراً بالعلوم الحديثة.

لقد كان العقل البشري خلال آلاف السنين ومازال في الثقافات المغلقة ينظر إلى ذاته من خلال هالات عجائبية بوصفه جوهراً ناجزاً مكتملا فما من سبيل لتغييره وتنميته وتطويره وقد جعلته هذه الرؤية الخاطئة في منأى عن التأمل والدراسة والتحليل وعاقته عن فهم طبيعته ومنعت الإنسان من أن يدرك أن نمو قدراته يتوقف على جهده وعلى نظرته إلى نفسه وحجبت عنه معرفة أن عقول الأفراد تصاغ بالبيئة التي ينشأون فيها وأن هذا التشكل الحتمي الذي ينتظر كل العقول هو من الاكتشافات الجديدة التي كانت في السابق غائبة عن الإدراك البشري فكان العقل في نظر الثقافات القديمة سراً مغلقاً غير قابل للفتح ولا للفهم وبسبب هذا التصور الساذج المنصاع العاجز لم يستطع العقل أن يضع ذاته موضع التحليل فكان العقل ينظر إلى ذاته وإلى الكون وإلى الواقع وإلى الوجود برهبة واستسلام وعجز مطلق فالعقل والوجود والكون في نظر القدماء معطيات مكتملة ومغلقة لا مجال لفهمها ولا لتغييرها فهي في نظرهم أسرار كونية محجوبة عن البشر يستحيل اكتشافها أما مفاتيح هذه الأسرار فهي بيد الخالق وحده سبحانه إن كل الوجود من الأسرار العجيبة المحجوبة التي كان الاقتناع راسخاً بأنه ليس بوسع الإنسان أن يعرفها ولا هي من مهام عقله ولا هي من مجالات اهتمامه وليست ضمن وظائف وجوده ولا هي داخل نطاق ما كلف به.

إن الثقافات البشرية قبل الفلسفة الإغريقية كانت تستسلم للواقع وتؤمن بالثبات ولا تفكر في التغيير وتقدس الموروث وتمجد السائد ولا تتطلع إلى أكثر من إعادة إنتاج ذاتها واستيعاب ما كرره أسلافها بل إنها تؤمن بالتراجع وبأن الماضي دائماً أعظم من الحاضر إنها ثقافات تقوم على النقل وليس على العقل وعلى الارتجال وليس على التحقق وعلى الامتثال وليس على التفرد وعلى التلقي والتلقين وليس على التجريب والملاحظة وعلى التلقائية وليس على التحليل والتمحيص وعلى الوثوق والقطع وليس على الاحتمال والترجيح وعلى الإخضاع وليس على الإقناع فالعقل بهذه الثقافات تنحصر مهمته في فهم ما قيل وفي الالتزام به فهو طبقاً لهذا المنظور جهاز رقابة أخلاقية ومهمته التقييد والكبح وضبط السلوك ولجم اللسان وليس عقلاً ناقداً فاحصاً يضطلع بفهم الوجود وتسخيره وإنتاج معارف جديدة ولا لتمحيص وغربلة المعارف القديمة بل كان العقل يتلقى المعرفة تلقائيا ويمتصها ويتبرمج بها ولا ينتجها أو يحاكمها أو يتساءل حول طبيعتها ومصدرها وقيمتها ومقدار الوثوق فيها وأسباب هذا الوثوق الأعمى وكان أقصى ما ينتظره الإنسان من عقله أن يساعده على العيش وعلى التكيف مع الواقع الاجتماعي والثقافي والطبيعي فهو واثق بالمعرفة السائدة التي نشأ عليها ومغتبط بها ولا يتصور أفضل منها إنه يتعامل مع ذاته بوصفه وعاء يتلقى ويمتثل وليس عقلاً ناقداً قادراً على الفهم المستقل وعلى إنتاج المعرفة ومع ضآلة الدور الذي يضطلع به العقل ضمن هذه الرؤية فإنه يتوهم أنه عقل ناجز ومكتمل وأنه يقوم بكل وظائفه بمنتهى الوعي والإدراك والتوقد والإشراق والحرية والاختيار وهنأ تأتي المفارقة الصارخة فالعطالة العمياء تكون مصحوبة بوهم الفاعلية الكاملة!!!..

إن العقل ضمن هذه الرؤية غير منتج للمعرفة وتبعاً لذلك فإنه غير قابل بأن يضع ذاته موضع المساءلة والدراسة والتقييم ولكن مع بزوغ الفكر الفلسفي الاغريقي عند نهاية القرن السابع قبل الميلاد وبداية القرن السادس أصبح العقل لأول مرة منتجاً للمعرفة فصار العقل يدرس العقل ويتساءل حول طبيعته وحدوده وقدراته وكيفية حصوله على المعرفة ومنافذ اتصاله وعلاقته بالحواس والتباسه بالرغبات والميول والعواطف فصار العقل ذاتاً وموضوعاً إنه الذات العارفة والموضوع الذي يراد معرفته ومنذ ذلك بات العقلُ يحاكم العقل ويطالبه بالبرهنة على أحكامه إنه يريد أن يعرف كيف يعرف وأن يتحقق مما يعرف فالعقل أضحى يبحث العقل ويدرسه ويحلل نشاطه ويناقش تصوراته ويقيِّم ما يتوصل إليه من نتائج فمع طاليس صار العقل لأول مرة في التاريخ الإنساني منتجاً للمعرفة ولم يعد يعتمد اعتماداً كلياً على الموروث والسائد وأصبح العقل يفحص السائد ويراجع الموروث ويفرز ويفحص ويقيِّم ما تراكم قبله من رواسب وتصورات ومعايير ورؤى ومفاهيم ومسلَّمات لم تخضع للتحليل ولا للمراجعة.

ولأن العقل البشري لا ينشط ويتجاوز ما هو عليه ويكون ذا فاعلية خارقة للمألوف ويصير منتجاً للجديد من الأفكار والمعارف حتى يُستثار فإن ظهور السفسطة الارتيابية في اليونان في القرن الخامس قبل الميلاد قد استفز العقول الفلسفية الأكثر نضجاً فتصدّى سقراط وأفلاطون وأرسطو للسفسطة فكان ذلك سبباً لتدشين مرحلة جديدة من مراحل تطور مفهوم العقل كما كان سبباً للتوصل إلى منظومة من القواعد والمبادئ لقيادة نشاط العقل نحو الحقيقة فأنجز أرسطو علم المنطق ثم بدأت أوضاع المعرفة تتراجع إلى أن دخلت أوروبا في جمود العصور الوسطى وظلت كذلك حتى عصر النهضة حيث جرى احياء التراث الاغريقي ثم اكتشف بيكون أوهام العقل ووضع ديكارت منهجاً لقيادة العقل ثم جاء هيوم والتجريبيون ليعلنوا اعتماد العقل على التجربة وليسحبوا الكثير من صلاحيات العقل المحض فما العقل عندهم سوى انعكاس للتجربة والواقع والعادة بل ان هيوم قد بالغ في الشك والارتياب وفي التقليل من شأن العقل الخالص فتصدَّى الفيلسوف الألماني الكبير (كانت) لهذه الشكّية المتطرفة وحاول التوفيق بين شكية هيوم والفلسفة المثالية وأبقى للعقل المحض الدور الأكبر في تحويل المادة الخام التي تلتقطها الحواس إلى معرفة منظمة فالعقل يطبخ الأحاسيس فيحيلها إلى معارف ناجزة وينظم الوقائع وينتهي منها إلى قوانين ضابطة وأُطر موجِّهة فلولا الحدوس العقلية الخارقة لما انبجست الأفكار ولما ظهرت العلوم ولما تطورت الحياة..

إن الاهتمام الشديد بالعقل واكتشاف قابليته التلقائية للسبات وركونه للغفلة حين يُحمى من النقد واكتشاف أن فاعليته مرهونة بتحديه وإثارته فلا يكون قادراً على إنتاج معارف جديدة وتمحيص المعارف القديمة إلا إذا وجه بأفكار قوية مغايرة ومتكافئة في الفرص.. ان هذا الاهتمام بالعقل هو أهم العوامل الرئيسية لتطور الغرب فباستثناء فترة العصور الوسطى فإن أوروبا منذ أيام الإغريق قد اهتمت اهتماماً شديداً بالتعرف على طبيعة الإنسان وحرصتء على إدراك مزايا العقل ونقائصه وكيفية حصوله على المعرفة وتلمُّس عوائق نموه وتفهُّم قابليته للإخماد أو الإشعال.. إن هذا الاهتمام الشديد بالعقل قد أتاح لأوروبا أن تتمكن من فهم طبيعة الإنسان وأن تنمي مزاياه وتقلل نقائصه وأن توجِّه اهتمامه لبناء ذاته بالمعرفة الممحَّصة والمهارات الدقيقة فتفجرت طاقاته وتدفقت إبداعاته ونمت مهاراته واعتاد على التعلم المستمر والاعتراف بقصور معارفه والانفتاح على الآفاق وعلى الانضباط في التفكير والدقة في الأداء وبذلك تغيرت الأوضاع البشرية هذا التغيُّر الهائل..

ورغم ضخامة وتنوع الدراسات في الغرب حول العقل فإن الاهتمام به لم يتوقف ولم يفتر بل يزداد مع الأيام احتداماً وتشعباً وبذلك تعلّم الغربيون كيف ينمون عقولهم ومهاراتهم في الفكر والفعل وكيف يستخدمونها بنجاعة وفاعلية فأمست المجتمعات الغربية وغيرها من المجتمعات التي تحترم الإنسان وتفهم طبيعة العقل وتدرك أن فاعليته مرتهنة بحريته وبالتحامه مع الواقع المتحرك وتآزره مع العاطفة التي أنضجها العقل ونمتها المعرفة وألهمها الانفتاح فالتفاعل مع الواقع يمد العقل بمخزونه ومكوّناته أما العاطفة فتؤجج الاهتمام الدافع للعمل والكدح والمثابرة والفاعلية فالاهتمام القوي المستغرق مصدره العاطفة وليس العقل فالعاطفة المتأججة هي حافز الفعل وهي الدافع إلى العمل الشاق والصبر الطويل والمثابرة المنتظمة والإنجاز العظيم إن العاطفة هي التي تحرك الإنسان نحو المغامرات وتنسيه المخاطر إنها تندفع بقوة فتوظّف العقل لتحقيق رغباتها فتتألق قدراته وتتفجر طاقته إبداعاً وإنتاجاً وبذلك صارت تلك المجتمعات قادرة على تحقيق الرخاء مهما افتقرت أرضها في الموارد الطبيعية وصار الإنسان يمثل ثروة هائلة متجددة هي ثروة الابتكار المتدفق والإنتاج الغزير والانضباط الدقيق فمع كل مولود تنضاف قدرة إبداعية أو مهارة إنتاجية وبذلك تراجعت أهمية الثروات الطبيعية لأنها تُستنزف وتنضب بينما الثروة الإنسانية تتضاعف كلما تضاعف استخدامها..

إن العالم الغربي منذ سبعة وعشرين قرناً وهو منشغل بالعقل: بحثاً في طبيعته وفحصاً لتكوينه وتعرفاً على قنوات اتصاله وإيماناً بعظمة قابلياته واقتناعاً بإمكانات تألقه وإدراكاً لاحتمالات انطفائه وتأكيداً لقصوره وتحسباً لهذا القصور واعترافاً بحدوده وبأخطائه وبحثا عن المناهج التي تسدد خطواته وتقود نشاطه وتتيح له أن يتحقق من رؤاه وأن يطوّر فاعلياته ومازال البحث في الغرب محتدماً حول العقل وحول أسباب تألقه وعوامل انطفائه لأن الإنسان بهذا العقل صار إنساناً فلولاه لبقي هذا الكائن أعجز من الحيوانات ولكنه بهذا الامتياز الخارق حقق ما هو عجيب ومدهش غير أن قابليات الإنسان العظيمة تبقى كامنة وخامدة ومعطلة حتى تستثار بالمواجهة وصراع الأفكار والمساءلة والتحدي والاضطرار إلى المراجعة إن هذه القابليات الإنسانية العظيمة لا تنفتح وتنمو تلقائياً وإنما تنمو قابليات الإنسان حين تتحداه الأفكار المخالفة فيستجيب للتحدي ويضطر الى مراجعة ذاته فيبحث ويستقصي ويتدارك ويصحح فتنفتح له آفاق واسعة ومنوعة وزاخرة وملوّنة وخصبة لم تكن تخطر بباله لو لم يتعرض للتحدي..

إن العقل لا يكون عقلاً فاعلاً ومتغيراً ونامياً ومنتجاً حتى يكون عقلاً ناقداً ومتحرراً من الكوابح والقيود ولكنه في الغالب لا يكون ناقداً لذاته إلا إذا اضطره إلى ذلك المعارضون له داخله فليس أصعب على الإنسان سواء كان فرداً أم مجتمعاً من أن ينقد ذاته وليس أبعد من هذا النقد حين تغيب المعارضة القوية المتكافئة معه ولكن هذا الاضطرار هو أنفع الأشياء للفرد والمجتمع والإنسانية أجمع فالنقد هو مفتاح العقل أما مفاتيح فهم قابليات الإنسان وطاقاته فهي العلوم الإنسانية والاجتماعية فالعقل قابلية مفتوحة لأي تشكيل جيد أو رديء وهو فاعلية تشعله البيئة أو تطفئه فيبقى مرتهناً بما يتفاعل معه فالوسط الذي يتحرك فيه قد يأخذه في مسارات الجهل والكلال ويملؤه بالأوهام والعقد والخرافات ويقعده راضيا بما هو عليه وهو يصعد به الوسط نحو آفاق الفاعلية والعمل والابتكار والتوقد فيربيه على الجد والمثابرة وحب الحقيقة وعلى بذل جهد موصول للتحقق فالعقل يتشكل بالبيئة وهو لا يفيض إلا بما يُسكب فيه.