قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بثينة شعبان

بينما كان الرئيس بوش يتّجه إلى فلسطين المحتلة كان عناصر جيش الاحتلال الإسرائيلي يستوقفون المفاوض الفلسطيني المتوجه إلى اللقاء مع وزيرة خارجية الكيان laquo;للتفاوضraquo; على النقاط التي ستطرح خلال زيارة بوش من أجل تحقيق laquo;السلامraquo; بين الإسرائيليين والفلسطينيين! في الوقت ذاته كانت صور بوش وأولمرت وبيريز تُرفع من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرّف، المعروف بعنصريته المتزمّتة دينياً ضدّ العرب، وهم يرتدون الكوفية الفلسطينية، وقد كُتِب فوق صورهم عبارة laquo;المتواطئون مع الإرهابraquo;! أي أنّ اللباس الوطني للشعب الفلسطيني قد تحوّل في هذا الملصق، ومن وجهة نظر إسرائيلية عنصريّة، إلى رمز للإرهاب ليرسخ في أذهان العالم أن الفلسطينيين والعرب هم الإرهابيون. ومع أن بوش، كغيره من أفراد النخبة الحاكمة في واشنطن، فمهما تم تداول المواقع بين أفراد هذه النخبة بفعل العملية الديمقراطية، فإنهم موالون حتى النخاع لإسرائيل إيديولوجياً، وسياسياً، وتسليحاً، وتمويلاً، ولكن مع كل هذا الولاء، فإن مثل هذا الملصق يبتزّه للمزيد من الولاء المطلق لمطالب اليمين العنصري الذي يسعى إلى إبادة العرب وحقّهم في فلسطين. وبعد أن حظي بوش باستقبال إمبراطوري في إسرائيل كانت هناك قائمة من العبارات والمصطلحات التي تمّ تحضيرها له، وما كان عليه إلاّ أن ينطق بها، ليؤكّد، على سبيل المثال لا الحصر، أنّ laquo;إسرائيل دولة ديمقراطية يهوديةraquo; ويلغي بهذا حقوق العرب الفلسطينيين بالعودة، وهم أصحاب الأرض الأصليين، سواء من أصبحوا في مخيمات اللاجئين خارج فلسطين، أم من مازالوا تحت نير الاستعمار الإسرائيلي، داخل فلسطين. كما أنه يرسي كرئيس للولايات المتحدة الفرق بين المستعمرات laquo;القانونيةraquo; والمستعمرات laquo;العشوائية اللاشرعيةraquo;! ويطالب بإزاحة الأخيرة فقط؟! وفي هذه الحركة اللاشرعية محاولة لتشريع نهب حلفائه الإسرائيليين للأرض، و تضليل كبير للرأي العام، لأن قرارات الأمم المتحدة تنصّ على عدم شرعية المستوطنات التي بنتها إسرائيل منذ عام 1967 على أراض فلسطينية اغتُصِبَت من أصحابها بقوّة السلاح. وهكذا فإن الهدف من زيارة بوش لفلسطين المحتلة هو دعم الاستيطان الإسرائيلي، والاعتراف، كما قال بوش، laquo;بما هو واقع على الأرضraquo;. وهذا هو إذاً الهدف من هدر الوقت والمماطلة بصنع السلام لسنوات وسنوات، وذلك من أجل تغيير الواقع على الأرض بالعنف والقتل والإرهاب، ومن ثمّ دعوة رئيس الولايات المتحدة ليقرّ بهذا الواقع، وكأنّه الشيء الطبيعي والوحيد الذي يجب على الجميع تقبّله. أما المجازر اليوميّة التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل، في غزة والعقوبات الجماعية، والتطهير العرقي، والحصار، وجدار الفصل العنصري وتحويل فلسطين بالسلاح والمال الأمريكي إلى سجن laquo;ديمقراطيraquo; كبير يئن في غياهبه الفلسطينيون منذ عقود، فهو غير مدرج، بالطبع، على جدول أعمال الرئيس الأمريكي، الذي بالمناسبة يدّعي التحضّر، وتوقه لنشر الحريّة في الشرق الأوسط، وحبّه للديمقراطية! ولذلك فإن هدف الزيارة ليس التحريض ضدّ إيران، كما يدّعي بوش، الذي أخذ بجدارة دور المبعوث الإسرائيلي للمنطقة، وإنما هو في الواقع تكريسُ الاستهتار بدماء العرب جميعاً، وحقوقهم، وتعزيزٌ لقوى احتلال استيطانية غاصبة وإظهارها بمظهر الدولة الديمقراطية التي تقف موقف الندّ للولايات المتحدة. ولذلك من الأجدى للرسميين والإعلاميين العرب نسيان عبارة laquo;مطالبة واشنطن بالضغط على إسرائيلraquo; إذ من غير الممكن لواشنطن أن تضغط على إسرائيل، بل أصبحت الشراكة بينهما جوهرية لتغييب واقع الاحتلال الإسرائيلي وتشريع الإرهاب الإسرائيلي اليومي، وتصوير العرب المقاومين للاحتلال والذين يطالبون بحقوقهم بأنهم إرهابيون.

وقائمة المطالب الإسرائيلية للرئيس بوش قد تكشف للبعض الذين يتحدثون عن laquo;صداقة الولايات المتحدةraquo; أو عن اللقاء مع laquo; نظرائهمraquo; في الولايات المتحدة، معنى الصداقة ومعنى النظير حين يتعلق الأمر بعلاقة الولايات المتحدة بالعرب، فهم لا يفرّقون بين عربيّ وآخر، إلاّ لفظياً ولأسباب تخصّ خططهم وإستراتيجيتهم وحسب، وكما قال الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت: laquo;لا يمكن ترويض الوحش بمداعبتهraquo;. فقد أرسل حاخامات إسرائيل اليمينيين المتطرفين رسالة إلى الرئيس بوش، وهو يبزهم تطرفاً، يطالبونه بإعلان أن laquo;دولة إسرائيل تنتمي لليهود فقطraquo;، وهذا ما فعل، وأن يطلق سراح الجاسوس جوناثان بولارد، وهذا ما سيفعل، وأن يشجّع يهود أمريكا على الهجرة إلى إسرائيل، ولكن من سيموّل الحملات الانتخابية؟! كما تضمّنت طلبات الإسرائيليين من الرئيس بوش أن laquo;يطلب منraquo; رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن يقوم بمسؤولياته في خارطة الطريق laquo;بأن يقوم باجتثاث البنية التحتية للإرهابraquo;، وأن يطلب من الرئيس عباس بأن يتوقف عن laquo;تشجيع الكراهية والعنف والإرهاب ورفض حق إسرائيل في الحياةraquo;، وقد استجاب بوش بالقول أنّ أول ما سيطلبه من الرئيس عباس هو laquo;ما الذي سوف تفعله حول الصواريخraquo; وطبعاً نشرت صحيفة الهيرالد تربيون laquo;9 يناير 2008raquo; صوراً لأطفال قرية سيديروت في الملاجئ ولطفل وقد حدثت فوهة في أحد جدران منزله تحت عنوان laquo;مدينة إسرائيلية تئنّ تحت نيران الصواريخraquo; وكرّست الجريدة صفحتين لشرح معاناة الإسرائيليين من الصواريخ!! ولم تذكر الجريدة طبعاً عشرات الفلسطينيين الذين تقتلهم إسرائيل يومياً بدم بارد في قطاع غزة وفي الضفة أيضاً مع أن العديد منهم أطفال!

كما طلب الإسرائيليون من بوش أن يسأل الرئيس عباس laquo;لماذا يمجّد تلفزيونه الانتحاريينraquo;، وطبعاً بالنسبة لبوش كلّ فلسطيني يقاوم الاحتلال هو إما إرهابي أو انتحاري. وقال أحد الإسرائيليين laquo;نحن لا نتوقع من عباس أن يعلّم شعبه أن يكونوا صهاينة ممتازين ولكن إذا أراد الفلسطينيون دولة يجب أن يتوقفوا عن نشر الكراهية وتمجيد الإرهابraquo;. وبدلاً من الحديث دائماً عن laquo;حق العودةraquo; كمؤشر لتدمير إسرائيل، فإن على عباس أن يخبر شعبه الحقيقة وهي أن الدولة الفلسطينية تتطلّب نسيان حلم فلسطين الكبرى وتحقيق السلام مع إسرائيل اليهودية الديمقراطية مع بناء دولة بقربها على معظم الضفة الغربية وقطاع غزةraquo; laquo;جيروزاليم بوست، 9 يناير 2008raquo;.

إنّ أخطر ما في زيارة بوش للمنطقة هو محاولته إقناع العرب العمل لتثبيت واقع الاحتلال، وكأنّه الشيء الطبيعي، والتعامل مع الفلسطينيين كدخلاء على واقع دولة محتلة تلتف جدرانها العنصرية في قلب الأراضي الفلسطينية. والهدف الآخر هو الإعلان رسمياً عن السياسة الأمريكية التي لم تكن معلنة لحد الآن: ألا وهي إنكار حقّ العودة على اللاجئين الفلسطينيين، والاعتراف بيهودية إسرائيل، وتثبيت صفة الإرهاب على الفعل المقاوم للاحتلال، والتبرير الرسمي للأعمال الإرهابية الإسرائيلية، والعنصرية الصهيونية، والجرائم اليومية البشعة التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضدّ الشعب الفلسطيني. إذا كانت هذه هي أهداف زيارة الرئيس بوش للدول العربية الأخرى فبئس الزيارة وبئس الأهداف.

الهدف من الزيارة ليس التحريض على إيران، مع أنهم يثيرون هذا الغبار أمام أعين العرب من أجل التغطية على أهدافهم وهي دوماً التنكّر لحقوق العرب، والاستهتار بدمائهم، وضحاياهم، وحقوقهم. ولكن بأي لغة يمكن للمرء أن يكتب ذلك كي يؤمن بعض العرب أنهم جميعاً معنيون بهذه الأهداف وأنّ الحركة الصهيونية المعادية للعرب، والتي تحكم حالياً كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة، لا تفرّق بين عرب فلسطين وعرب أي دولة عربية أخرى. ولهذا فإن الهدف الأساسي من زيارة بوش لا يقتصر على فرض التسوية والتطبيع تحت يافطة laquo; تفويض إسرائيلraquo; مواجهة إيران، بل الهدف هو تفويض إسرائيل بالمضيّ قدماً في إذلالها للعرب، وتدمير بلدانهم، ومصادرة أراضيهم، وإرادتهم.

إنّ الشعوب في جميع بلدان العالم ما زالت تمجّد المقاومة للعنصرية، والاحتلال، والظلم، والطغيان، فكيف يراد من العرب أن يقبلوا لغة، ومفاهيم، تتنكر لأساسيات العمل السياسي التي يجب أولاً أن تشخّص حال الاحتلال، وضحاياه، ومن ثمّ تتناول القضايا بما يناسب هذا المفهوم الأساسي. وبينما أقرأ عن زيارة بوش وقائمة الطلبات المعدّة له سلفاً والتي سوف تزيد إسرائيل المعتدية صلفاً وعدوانية كنت أقرأ في الصحف الانكليزية عن صعود نجم المرشح الأمريكي للرئاسة أوباما، وما عاناه الأمريكان الأفارقة من عبودية وظلم وعنصرية. وفي إحدى المقالات وبعد استعراض موجز لتاريخ مليء بالمآسي كتب جيمس كارول في الهيرالد تربيون بعنوان laquo;أشباح العنصريةraquo; laquo;8 يناير 2008raquo; ولكن الأمريكان الأفارقة لم يكونوا ضحايا سلبيين لهذا التاريخ المشؤوم. فقد قاد السود المقاومة له والتي توّجت بانتصار حركة الحقوق المدنية ممهّدة الطريق لقادة مثل أوباماraquo;. خلال التاريخ وفي جميع أنحاء العالم نال المقاومون للاحتلال، والظلم، وجرائم القتل، والحصار، احترام العالم وتقديره، والشعب الفلسطيني واحد من هذه الشعوب الذي يقاوم جرائم الاحتلال ومجازر الإبادة. ولن يتذكر العالم من يروّج ليهودية إسرائيل، واغتصابها للأرض، وقتلها للبشر، وسيعتبر هذا تاريخاً مشؤوماً، ولكنه سيمجّد من قاوم هذا التاريخ المظلم، وانتصر عليه، وأرسى أسس الكرامة، والحرية، والعدالة، ومن هذا المنظور فإن دلالات وأهداف زيارة بوش تصبّ في إطار سياسته الدّموية التدميريّة للمنطقة، ولا شك أنها ستواجه الفشل الذي تواجهه جيوشه الجرارة في العراق وأفغانستان وخططه في لبنان والصومال ولن يتمكن من تغيير مسار هذا التاريخ.