قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد عاكف جمال

يشترك الرئيس الأميركي مع معظم القادة العرب في القلق من تصاعد الدور السياسي لإيران في منطقة الشرق الأوسط، ومن نمو قدراتها العسكرية ومن أهداف برنامجها النووي، ويبدو أن ما يجمع هؤلاء القادة مع الرئيس الأميركي هو القلق وحده.

فالرغبة في احتواء إيران أو القيام بعمل عسكري ضدها هو ما يختلف عليه هؤلاء مع الرئيس الأميركي، الذي يريد البدء بسيناريو الاحتواء دون أن يُسقط سيناريو العمل العسكري، فالخيارات كلها مطروحة على مائدته، كما صرح في تل أبيب رداً على سؤال أحد الصحافيين عن موقف الولايات المتحدة في حال تكرار التحدي الإيراني الأخير في مضيق هرمز.

الدول العربية يقلقها الدور المتصاعد لإيران في كل من العراق ولبنان أكثر مما يقلقها برنامجها النووي، فهنالك قناعة لدى معظمها بأن العراق يتجه نحو مستقبل محفوف بالمخاطر عند انسحاب القوات الأميركية منه، ما لم تتغير التحالفات بين الكتل السياسية العراقية باتجاه صياغة مشروع وطني عراقي يُغلق النوافذ المذهبية المفتوحة التي تسمح بإطلالات الآخرين للتدخل في شؤونه. كما أن هناك تخوفا حقيقيا على مستقبل لبنان لسبب مشابه، خاصة بعد أن فشل الأمين العام للجامعة العربية والمُفوض من قبل مجلسها في مهمته الأخيرة لحل أزمة الرئاسة اللبنانية.

فقد قابلت مصر مؤخراً الرغبات الإيرانية بإعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى وضعها الطبيعي ببرود شديد، بالرغم من أن المبعوث الإيراني علي لاريجاني قدم الكثير من المحفزات لها. فقد أكد وزير الخارجية المصري للمفاوض الإيراني بأن إعادة العلاقة بين البلدين تتطلب وجود رؤية موحدة للوضع في العراق وفي لبنان.

ابتدأ الرئيس الأميركي عامه الأخير في البيت الأبيض بزيارة للشرق الأوسط، أعار فيها القليل من الاهتمام للملف الفلسطيني والكثير من الاهتمام للملف الإيراني، ولم يتمخض عنها سوى ما كان متوقعاً على هذين الصعيدين، تجاهل لمصالح الدول العربية وتكثيف الضغوط عليها لدفعها إلى المزيد من الإذعان للمطالب الأميركية: تخاذل أمام إسرائيل وتصلب إزاء إيران.

فرنسا هي الأخرى دخلت اللعبة بقوة مع مجيء الرئيس الجديد ساركوزي إلى قصر الإليزيه، وهو الأقرب من سلفه إلى الإدارة الأميركية، فقد حط الرئيس الفرنسي رحاله في الرياض في الثالث عشر من يناير، مبتدئاً جولة في عدد من الدول الخليجية وهو يتأبط ملفين نوويين الأول إيراني للتحذير من مخاطره والآخر فرنسي لتسويق محتوياته.

التوتر بين الولايات المتحدة وإيران الذي ما ان هدأ نسبياً بعد نشر التقرير الاستخباراتي الأميركي، حتى عاد إلى التصاعد مجدداً بدافع من مصالح أميركية بحتة على الصعيدين المحلي والدولي، فالذي حدث فجر السادس من يناير الجاري لم يكن المواجهة الأولى بين واشنطن وطهران في مياه الخليج، فقد حدثت مواجهتان في العام المنصرم لم يعلن أي من الطرفين عنهما، وذلك لأنهما لم تكونا بخطورة الأخيرة من جهة، ولم تكن أي منهما متزامنة مع حدث سياسي يستلزم توظيفها من جهة أخرى.

فإعلان الولايات المتحدة عن المواجهة الأخيرة يخدم أهداف زيارة الرئيس الأميركي في تصعيد التوتر مع إيران، ويعزز فرص الخط المتشدد الذي يلتزم به المرشحون عن الحزب الجمهوري للرئاسة الأميركية التي بدأت حملتها مؤخراً، فالمرشح الجمهوري الأبرز جون مكين يحمل أجندة مشابهة لما يحمله جورج بوش.

وهكذا بدأت زيارة الرئيس بوش إلى المنطقة والأضواء مسلطة على إيران والضغوط تتصاعد عليها، فقد أعلن الجنرال بترايوس القائد العام للقوات الأميركية في العراق أن إيران زادت كميات السلاح المهرب إلى حلفائها في العراق منذ بدأ العام الجديد.

وتعمدت الولايات المتحدة الكشف عن وجود القاذفات الاستراتيجية (بي 1)، الأكثر خطورة في الترسانة الحربية الأميركية، في العراق حين أعلنت عن مشاركتها مع أربع قاذفات أخرى من طراز (أف 16) في غارات على مواقع للقاعدة جنوب بغداد.

وكان آخر التهديدات ما صدر عن الرئيس بوش نفسه في الخطاب الذي ألقاه في أبو ظبي في الخامس عشر من يناير الجاري، والذي اتهم فيه إيران بتهديد أمن شعوب المنطقة.

وتزامنت هذه الضغوط مع ضغوط أخرى تسلطها الولايات المتحدة على المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي وصل طهران، حيث صرحت وزيرة الخارجية الأميركية بأن على البرادعي أن يكرر على مسامع طهران ضرورة الالتزام التام بمشيئة المجتمع الدولي، وإيقاف برنامج تخصيب اليورانيوم.

هذه هي الأجواء الملائمة عادة لإبرام الصفقات الكبيرة للسلاح، فقد طلبت إدارة الرئيس بوش من الكونغرس المصادقة على مبيعات سلاح إلى دول الخليج قيمتها عشرون مليار دولار، تتضمن أسلحة متطورة بعضها دفاعي يشمل أنظمة مضادة للصواريخ من طراز باتريوت وبعضها هجومي يشمل منظومات القنابل الذكية. فما هو الهدف الذي يسعى إليه الرئيس الأميركي من هذه الزيارة غير العادية إلى الشرق الأوسط؟ وهل هي حقاً لمعالجة قضيتين كما تضمنت أجندة الزيارة أم غير ذلك؟

فشلت إدارة الرئيس بوش طيلة السنوات السبع المنصرمة في تحقيق تقدم ملموس نحو حل للقضية الفلسطينية، رغم اللغط الإعلامي الذي صاحب الإعلان عن خارطة الطريق، وذلك لأنها لا ترغب في ذلك ما لم يكن بأجندة إسرائيلية، وليس من المعقول أن تتوصل إلى الحل النهائي وتعلن عن ميلاد الدولة الفلسطينية في الشهور القليلة المتبقية من عمرها.

يتبقى أمامنا التحري عن الغاية من التصعيد ضد إيران، وذلك أمر ليس صعباً. فقد صنعت الولايات المتحدة في سنوات بوش الرئاسية السبع معظم الأدوات اللازمة لإيصال منطقة الشرق الأوسط إلى أقصى درجات الغليان، وها هو عام 2008، العام الأخير للرئيس بوش في المكتب البيضاوي، يطل علينا بإصرار أميركي على وضع خاتمة لما أعدته في السنوات السابقة.

فهل سنشهد الرئيس الأميركي في آخر غزواته ممتطياً صهوة الديمقراطية ليضع يده على آخر بئر نفطية في المنطقة؟