موسكو - جانا بوريسوفنا

وفق التصريحات الرسمية في موسكو ستواصل أسعار الغاز في الأسواق المحلية ارتفاعها بمعدل يصل إلى 20%، بعد أن بدأت الحكومة الروسية في زيادة أسعار الغاز منذ العام الماضي وفق خطة تدريجية.
وكانت وزارة الاقتصاد قد حذرت العام الماضي من نقص إمدادات الغاز الطبيعي خلال الفترة القادمة، باعتبار أن احتياج البلاد للغاز كمصدر للطاقة سيزداد، بينما لم يحقق حجم الإنتاج أي زيادة ملموسة. ما قد يعني انخفاض حجم صادرات الغاز الروسي بنسبة يمكن أن تصل إلى 3. 5%، بسبب ازدياد احتياجات البلاد بنسبة تصل إلى 5%. وتؤكد وزارة الاقتصاد أن روسيا ستكون قادرة على زيادة حجم صادراتها من الغاز الطبيعي خلال عام 2009 ليصبح إجمالي حجم صادرات الغاز حوالي 212 مليار متر مكعب، دون أن تشير لسبل حل الأزمة الداخلية والتي ستتنامى خلال العامين القادمين.
ويمكن القول ان عدم تقديم بيانات محددة من إدارة شركة(غاز بروم) لحجم الغاز الذي سيطرحه الاحتكار النفطي الروسي في الأسواق المحلية والعالمية يرتبط برفع أسعار الغاز الذي يتم تصديره إلى أوروبا ودول الفراغ السوفييتي السابق، مما يجعل الاحتكار النفطي غير قادر على تحديد حجم تصدير الغاز الروسي خلال العامين القادمين، باعتبار أن بعض عقود التصدير قد تقرر زيادة أسعار الغاز فيها إلى الضعفين أو إلى ثلاثة أضعاف.

ولعل الوضع الناشئ في قطاع الغاز الروسي يفسر قرار السلطات الروسية برفع أسعار الجملة للغاز المسيل بنسبة تزيد على 100%، ما سيؤدي لزيادة أسعار الغاز على المستهلكين في السوق المحلي.
ويبرر المسؤولون الروس قرار زيادة أسعار الغاز بأن الأسعار الحالية تقل كثيرا عن أسعار الغاز في الأسواق العالمية، وسيؤدي قرار السلطات الروسية إلى زيادة رسوم الخدمات السكنية للمواطنين بنسبة تزيد على 29%.
ووفق البيانات الرسمية بلغ حجم الصادرات الروسية خلال العام الماضي حوالي 300 مليار دولار، بزيادة عن عام 2006 تصل إلى 25 مليار دولار، وقد شكلت الطاقة أكثر من67% من إجمالي صادرات روسيا.
وقد يفسر هذا الرقم قرارات الحكومة برفع أسعار الغاز، حتى تستقطب اهتمام الشركات المنتجة بتغطية احتياجات السوق المحلي، وخلافا لما يعتقد الخبراء الغربيون، وصل حجم صادرات الطاقة الروسية للغرب إلى 42% من إجمالي صادراتها من الغاز والنفط، بزيادة تقدر بحوالي 8% عن حجم صادراتها في عام 2006.
وتجدر الإشارة إلى أن السلطات قد اتخذت قرارا بتقليص الإمداد بالغاز لعدد من المؤسسات الصناعية في إقليم كراسنادار، وبررت قرارها بأن البرد القارس هذا العام قد تسبب في تناقص شحنات الغاز من حقوله، مما اضطر الجهات الرسمية لتقليل حصص بعض المؤسسات الصناعية.
وإذا كانت مصانع إنتاج السكر في هذا الإقليم لجأت لتعويض النقص باستخدام المازوت، فإن مصانع الأسمنت قد اضطرت لتقليص إنتاجها، بل وتوقف بعضها عن العمل. في نفس الوقت الذي زادت فيه شركة(غاز بروم) صادراتها من الغاز إلى تركيا واليونان.
وقد جاء قرار شركة laquo;غازبرومraquo; التي تحتكر تصدير الغاز الطبيعي الروسي بزيادة وارداتها من الغاز إلى تركيا، استجابة لطلب تقدمت به شركة Botash التركية بزيادة حجم واردات الغاز الطبيعي الروسي عبر خط laquo;التيار الأزرقraquo; من 30 مليونا حتى 38 مليون متر مكعب يومياً. كما بدأت شركة الغاز الروسية بضخ كمية إضافية من الغاز تصل إلى 5. 1 مليون متر مكعب يومياً.
واعتبر الخبراء أن قرار شركة laquo;غازبرومraquo; بتلبية الطلب التركي واليوناني عزز سمعتها كمورد يعول عليه للغاز للمستهلك الأجنبي. وتمكنت الشركة الروسية من الحصول على ترخيص للعمل في سوق الغاز الايرلندية التي يقدر حجم المبيعات فيها بملياري يورو في السنة. ومن المتوقع أن تسيطر على 15% من أسواق ايرلندا المحلية في نهاية العام الحالي.

ولاشك أن تقليص الإمداد الداخلي للطاقة سيؤثر سلبا على خطط تنوع النشاط الاقتصادي، ويهدد بتصفية بعض الصناعات الحيوية ليس فقط للسوق المحلي، وإنما حتى تلك الصناعات التي تقوم بتصدير منتجاتها للأسواق العالمية، ما يدعو لإعادة صياغة أولويات إمداد الأسواق بالطاقة، خاصة وأن الدولة تمتلك أكثر من 40% من أسهم الشركات الروسية العاملة في قطاع الطاقة.
ويمكن القول ان تناقص حجم انتاج الغاز يعود لضعف ميزانيات استكشاف حقول جديدة، والاعتماد على احتكار روسيا للإنتاج في دول وسط آسيا. إلا أن هذا الوضع لا يخلو من مخاطر، خاصة بعد أن وقعت الصين وتركمانيا اتفاقا سيتم بموجبه إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من تركمانيا إلى الصين، وسيبدأ العمل في بناء الأنبوب الذي تبلغ طاقته 30 مليار متر مكعب سنوياً وطوله 7 آلاف كلم في عام 2008 وينتهي في عام 2010.

وقد تكون هذه الخطوة بداية لإنهاء احتكار روسيا في مجال نقل الغاز التركماني إلى الأسواق الخارجية، التي تصدر معظم إنتاجها من الغاز الطبيعي إلى الغرب وتستورد 30% من احتياجاتها من الغاز من تركمانيا.
كما تمكن الاتحاد الأوروبي، من إيجاد السبيل لإنهاء احتكار روسيا على إمداد بلدانه بالطاقة من شرق أوروبا ووسط آسيا.
وذلك من خلال مشروع خط الغاز laquo;نابوكوraquo; (Nabucco) لنقل الغاز من بحر قزوين إلى البلقان ووسط وغرب أوروبا عبر تركيا دون المرور في الأراضي الروسية، وتقدر تكاليف المشروع بحوالي 6 مليارات دولار ، ويشارك في تنفيذ مشروع laquo;نابوكوraquo; تركيا وبلغاريا ورومانيا والمجر والنمسا. وسيدخل هذا الخط إلى حيز العمل في عام 2011.
لاشك أن هذا الوضع يكشف عن أن دور الطاقة في السياسة الروسية يمكن أن يتقلص، بل وأن يؤثر بشكل سلبي، ناهيك عن أن تحول الاقتصاد الروسي إلى الاعتماد الكلى على عائدات قطاع الطاقة، يهدد بآثار سلبية على بنية هذا الاقتصاد.
ان مساعي الغرب والصين لاستبدال الطاقة الروسية، بإمدادات من دول وسط آسيا، بعيداً عن الدور الروسي، سيؤدي لنقص واردات الطاقة لروسيا من هذه الدول، إضافة إلى تناقص إنتاج روسيا، ستؤدى هذه العوامل إلى تأثر السوق الداخلي ليس فقط على صعيد تناقص الإمداد بالطاقة، وإنما أيضاً بسبب نقص عائدات تصدير الغاز.
هذا الوضع يستوجب خطة عاجلة لاستكشاف منابع جديدة تضمن إمداد السوق الداخلي باحتياجاته وتنويع النشاط الاقتصادي، حتى يزيل آية تأثيرات سلبية متوقعة على الاقتصاد الروسي.