خيرالله خيرالله

ليس هنالك ما يشير إلى أن حكومة أيهود أولمرت مهتمة بالتوصل إلى تسوية مع الجانب الفلسطيني في الظروف الراهنة، على الرغم من الكلام الجميل الذي صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي عشية وصول الرئيس جورج بوش الابن الى المنطقة أخيرا.

اثبتت حكومة أولمرت ذلك من خلال التصعيد الذي تمارسه في قطاع غزة يوميا وفي الضفة الغربية بين وقت وآخر. كيف يكون الرد على التصعيد الاسرائيلي؟ هل بمزيد من التصعيد من الجانب الفلسطيني أم بالسعي إلى تفادي الدخول في لعبة التصعيد التي لا تخدم سوى حكومة أولمرت التي يبدو أنها في غير وارد التزام الأجندة الأميركية التي تدعو الى أن تكون السنة 2008 سنة السلام الفلسطيني- الاسرائيلي. من الواضح أن لدى أولمرت هموما من نوع آخر مرتبطة بالمحافظة على حكومته، علما بأن الخبراء في الشأن الداخلي الأسرائيلي يؤكدون أن في استطاعته دائما الاعتماد على أكثرية مريحة في الكنيست حتى لو ذهب إلى تسوية!

هناك تجاذب داخل اسرائيل. بل حال ضياع عائدة إلى شخصية أيهود أولمرت من جهة والضغوط التي يتعرض لها في الوقت ذاته من اليمين الليكودي ومن الزعيم الجديد - القديم لحزب العمل أيهود باراك من جهة أخرى. في ظل هذا الواقع، يفترض في الجانب الفلسطيني التفكير مليا في الدفاع عن مصالحه. يمكنه على سبيل المثال وليس الحصر الانطلاق من المجزرة الأخيرة التي ارتكبها الاسرائيليون في غزة وأدت الى استشهاد نحو عشرين فلسطينيا بينهم نجل الدكتور محمود الزهار، أبرز قياديي quot;حماسquot; في القطاع، كي تكون هناك وقفة مع الذات تتيح التفكير في العمق في كيفية افشال المخطط الاسرائيلي.

لا بدّ من التذكير دائما بأن هذا المخطط يقوم على الفكرة القائلة أن لا شريك فلسطينيا يمكن التفاوض معه. ولذلك لا حاجة إلى تسوية. الدليل على ذلك، من وجهة نظر الاسرائيليين، أن انسحابا من غزة حصل في صيف العام 2005، لكن الصواريخ استمرت تطلق من القطاع في اتجاه أراضٍ اسرائيلية بينها قرية سديروت ومدينة عسقلان، اضافة إلى أهداف أخرى. المؤسف أن ما يقوله الإسرائيليون معتمد دوليا. هذا العالم ظالم ولا مفر من التعامل معه بصفة أخرى.

والمؤسف في الوقت ذاته، أن الجانب الفلسطيني الذي يسيطر على غزة لم يفعل شيئا من أجل اقناع المجتمع الدولي بالعكس، أي بأن الانسحاب من غزة فرصة لإظهار أنه قادر على إدارة شؤونه بنفسه وتقديم نموذج حضاري عما يمكن أن تكون عليه الدولة الفلسطينية المستقلة.

عاد الفشل الفلسطيني في إدارة شؤون غزة بعد الانسحاب الذي نفّذته اسرائيل من جانب واحد بكارثة على القضية الفلسطينية. لا شك أن مسؤولية الفشل تتحمله quot;فتحquot; وquot;حماسquot; معا، أقله في المرحلة التي تلت الانسحاب مباشرة، خصوصا أن quot;فتحquot;، التي غرق كثيرون من قادتها في الفساد، تهاونت في مسألة ضبط الأمن الذي كانت تتولاه أجهزة السلطة الوطنية إضافة إلى أنها عانت من الكثير من الانقسامات الداخلية التي حولتها عشائر وقبائل وعائلات متناحرة.

لكن ما حصل مع مرور الأيام ومع انحسار دور quot;فتحquot; في غزة أن quot;حماسquot; كشفت أوراقها. تبين أن هدف الحركة التخلص من quot;فتحquot; ومن السلطة الوطنية الفلسطينية. اكثر من ذلك، تبين كل ما تريده quot;حماسquot; تحويل القطاع إلى quot;جمهورية اسلاميةquot; على الطريقة quot;الطالبانيةquot; بأموال إيرانية وغير إيرانية وليس التخلص من الاحتلال. وبكلام أوضح، تبين أن quot;حماسquot; تريد تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني، وتعتبر ذلك أولوية الأولويات.

في خضم التصعيد الذي تمارسه اسرائيل، يفترض في quot;حماسquot; التفكير مليا في ما آلت إليه الأوضاع في القطاع. يمكن فهم الرد الأول للدكتور الزهار على اغتيال نجله. كان رده دعوة إلى الانتقام من دون تفكير في النتائج والعواقب التي ستترتب على ذلك. ولكن بعد مرور بضعة أيام، على الحادث، لا بد من وجود من يفكر في أن التصعيد سقوط في الفخ الإسرائيلي لا أكثر. سيكلف التصعيد غزة الكثير، ذلك أن الجانب الإسرائيلي هو الذي يبحث عن المواجهة للهرب من استحقاقات التسوية. لعبة السلاح هي اللعبة المفضلة إسرائيليا، لماذا ينجر الفلسطينيون إليها؟

في النهاية، العودة عن الخطأ فضيلة. من يستطيع العض على الجرح والعودة عن الخطأ هو شخص قد يكون الدكتور الزهار. باستطاعة الزهّار من الناحية العملية، بصفة كونه والد الشهيد، التعالي على المصيبة واستغلال الاتصال الذي أجراه به الرئيس الفلسطيني السيّد محمود عبّاس (أبو مازن) لإعادة النظر في استراتيجية quot;حماسquot; والتساؤل أين تكمن المصلحة الحقيقية للشعب الفلسطيني عموما وأهل غزة في شكل خاص؟

قبل كل شيء، هناك مصلحة في تفادي التصعيد ولملمة الأمور في الداخل بعيدا عن فوضى السلاح. وهناك مصلحة في السير خلف البرنامج السياسي المعتمد من الحكومة الفلسطينية برئاسة الدكتور سلام فياض. وهناك مصلحة في التخلص من مجموعة من العقد والأوهام، بما في ذلك أن هناك من العرب وغير العرب من سيفك الحصار عن غزة. لن يفك أحد الحصار عن غزة إذا لم تعد إلى حضن السلطة الوطنية الفلسطينية.

الحصار قرار دولي. كل من يؤمن بغير ذلك يريد استمرار الحصار واستخدام الشعب الفلسطيني وقودا في معارك لا علاقة له بها. على من يريد التأكد من ذلك، سماع السيد خالد مشعل يهدد اسرائيل ويتوعدها من دمشق، وكأن دماء الفلسطينيين التي تسيل في غزة دماء شعب آخر.

قادة quot;حماسquot; الذين في داخل غزة مدعوون إلى وقفة تتسم بالشجاعة من أجل انقاذ القطاع وقطع الطريق على المزايدين. هذه ليست دعوة إلى الاستسلام. كل ما في الأمر أنه لا وجود لجندي إسرائيلي على أرض القطاع، أقله اليوم، لا أحد يدري ما الذي يمكن أن يحصل غدا. الخدمة الوحيدة التي لا تزال quot;حماسquot; قادرة على أن تؤديها لغزة هي العودة عن الانقلاب الذي نفّذته في حزيران- يونيو الماضي.

ليكن معلوما، من الآن، أنه لن يصدر عن العرب وعن السلطة الوطنية الفلسطينية سوى بيانات تندد بالاحتلال والوحشية الإسرائيلية. هل تقدم quot;حماسquot; على خطوة شجاعة قبل فوات الأوان؟ ربما السؤال الأصح: هل تمتلك quot;حماسquot; حرية اتخاذ قرار شجاع بهذا المستوى؟ مثل هذا القرار يخدم القضية الفلسطينية ويجعل الفلسطينيين ينظمون شؤون الحياة اليومية في انتظار تسوية قد تأتي كما قد لا تأتي.