قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كريم ساجادبور - بروجيكت سنديكيت

بعد أن أصبح مستقبل باكستان ورئيسها برويز مُشَرف محاطاً بغيوم سوداء من التشكك وعدم اليقين في أعقاب اغتيال بينظير بوتو، بدأت المقارنات بين حال باكستان الآن وسقوط الشاه وقيام الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979. فهذا هو حاكم مطلق آخر مناصر للولايات المتحدة يفقد قبضته على السلطة بسرعة، بينما تسانده حليفته الولايات المتحدة بمزيج من الحذر والتردد. وفي نفس الوقت يهاجم أهل الفكر والنخبة الليبرالية الدكتاتور، وهم على يقين من أن دولتهم باتت جاهزة لنظام حكم ديمقراطي علماني.

والدرس الواضح الذي لا بد وأن يستقى من 1979 أن أمريكا بنت علاقتها الاستراتيجية بالكامل مع إيران على أكتاف دكتاتور غير محبوب. ومع انهيار نظامه انهارت أيضاً قدرة أمريكا على تحقيق مصالحها هناك.

إلا أن الثورة الإيرانية تحمل درساً آخر لليبراليين في باكستان، فمع هوس النخبة من أهل الفكر في إيران بطرد الشاه تبين لهم أنهم كانوا مخدوعين في مجتمعهم ذاته وقدرتهم على الخروج منتصرين من تلك الفوضى السياسية المفاجئة. وبمجرد رحيل الشاه، سارعت القِلة المتعصبة، التي كانت على استعداد للكفاح والموت في سبيل قضيتها، إلى افتراس ldquo;الأغلبية المعتدلةrdquo;، وتأسيس الحكم الإسلامي في زمن قصير.

بطبيعة الحال، لا نستطيع أن نتجاهل الفوارق السياسية والثقافية العميقة بين إيران في سبعينات القرن العشرين وباكستان المعاصرة. حيث كانت إيران تفتقر إلى النظام القضائي المستقل، والحريات الصحافية الأساسية، ومنظمات المجتمع المدني. أما باكستان المعاصرة فهي تتمتع بدرجات متفاوتة من كل هذا. والأهم من ذلك أن علماء الدين في إيران كانوا منظمين ونشطين على الصعيد السياسي، وهو ما لا يصدق على علماء الدين في باكستان اليوم. والحقيقة أن الأحزاب الإسلامية الباكستانية لم تفز قط بأكثر من 12% من أصوات الناخبين.

ولكن من الخطأ رغم ذلك أن نتصور أن باكستان محصنة ضد التيارات الإسلامية السلفية المنتشرة في بلدان العالم الإسلامي. فحوالي 40% من أهل باكستان يعيشون تحت خط الفقر، ونصف تعداد سكانها من الأميين، والعديد من بين المتعلمين تلقوا تعليمهم في مدارس ذات تمويل اسلامي. وتشير العديد من استطلاعات الرأي إلى أن أقلية لا يستهان بها من الباكستانيين يحملون وجهة نظر محابية للمتطرفين، ووجهة نظر مناهضة للولايات المتحدة، فضلاً عن اعتقادهم بأن تطبيق الشريعة الإسلامية لا بد وأن يكون من الأولويات.

ذات يوم اعترف لي أحد المفكرين الباكستانيين قائلاً: ldquo;أخشى أن يكون الظهور الانتخابي الضعيف للإسلاميين في باكستان راجعاً إلى عدم بروز الزعيم الإسلامي القوي القادر على جذب الناس إليه حتى الآن، وليس لأن رسالة زعيم بهذه الصفات لن تجد صدى بين الناس. فحتى العام 1978 كان القليل من الإيرانيين قد سمعوا بآية الله الخميني، إلا أن رسالته لم تستغرق وقتاً طويلاً حتى باتت قادرة على تحريك الملايين من الناسrdquo;.

كان الجيش يشكل دوماً الحصن الأقوى في ضمان عدم سلوك باكستان نفس المسار الذي سلكته إيران. ولكن رغم أن ضباط الجيش قد يدافعون باستماتة عن الحكم العلماني، إلا أن فئة الجنود المجندين تعكس طوائف المجتمع الباكستاني بالكامل. وفي حالة حدوث يقظة سياسية إسلامية فلن يكون ولاء الجيش للمؤسسة العلمانية مضموناً. ففي إيران، وباستثناء كبار القادة الذين إما قُتِلوا أو فروا من البلاد، رأينا كيف تحول الجيش العلماني المخلص إلى دعم حكومة الخميني الثورية بين عشية وضحاها.

هذا لا يعني أن الصحوة الإسلامية في باكستان تلوح في الأفق، أو أن الباكستانيين لا بد وأن يختاروا بين الدكتاتور غير المحبوب وحكومة إسلامية على غرار طالبان. بل إن الأمر على العكس من ذلك، فالليبراليون في باكستان يتحلون بالشجاعة في الدعوة إلى الديمقراطية، وحكم القانون، ويحملون مُشَرف المسؤولية عن حكمه الذي أصبح غير قابل للإصلاح. ولكن يتعين عليهم أن يتعلموا من الثورة الإيرانية أن تكون السبل التي يسلكونها في الدعوة إلى الإصلاح السياسي متوافقة مع الغايات السياسية التي يرجون تحقيقها.

لقد أصبحت المشاعر متأججة في أعقاب اغتيال بوتو، حيث لقي أكثر من خمسين باكستانياً حتفهم في أعمال الشغب التي أعقبت اغتيالها، كما يسعى قادة حزبها وقادة حزب رئيس الوزراء السابق نواز شريف إلى تنظيم المظاهرات الحاشدة سعياً إلى إسقاط حكومة مُشَرف. بيد أن سياسة الغضب والانتقام والشغب لن تؤدي إلى الديمقراطية التعددية الهادئة التي كانت بوتو تتصورها وتسعى إليها. والرغبة في الانتقام من مُشَرف بسبب خنقه للديمقراطية وتقصيره في توفير الحماية الكافية لبوتو لن تؤدي إلا إلى التهاب الأجواء السياسية التي يسعى الليبراليون في باكستان إلى تخليصها من الراديكالية والتعصب.

في باكستان، من الخطر أن نراهن على أن المدافعين عن الديمقراطية، والمفكرين، والطلاب سوف يخرجون منتصرين من هذه الفتنة والمذابح المحتملة نتيجة لسياسات الشوارع.

كان جون ليمبرت، الدبلوماسي الأمريكي الخبير بالشؤون الإيرانية (والذي احتجز في إيران رهينة لمدة 444 يوماً)، يقول في حديثه عن ثورة 1979 الإيرانية: ldquo;لقد أثبت أصدقاؤنا من أصحاب العقول الليبرالية المتحررة في إيران عجزهم في خضم الاضطرابات السياسية، فقد كان بوسعهم أن يكتبوا مقالات تحريرية لاذعة، إلا أنهم كانوا يفتقرون إلى الشجاعة اللازمة للالتحام مع الخصوم وتنظيم عصابات الشوارع، والانخراط في الأعمال الوحشية القادرة على تحقيق النصر في خضم الانتفاضات السياسيةrdquo;.

قد يكون الليبراليون الباكستانيون محقين حين يزعمون أن بلادهم ليست معرضة للوقوع في قبضة القوى الإسلامية. بيد أن التكاليف باهظة إلى الحد الذي يجعلها محبطة، ومن العسير للغاية أن نتنبأ بعواصف الإسلام السياسي.

في العام 1978 كان الليبراليون في إيران عازمين على إسقاط الشاه بأي وسيلة ممكنة. إلا أنهم بدلاً من خلق الجو المناسب لظهور غاندي إيراني، ساعدوا عن غير قصد وعن غير علم على تسليم السلطة إلى آية الله الخميني والنظام الديني الحاكم الذي كان أقل تسامحاً من النظام الذي عملوا على خلعه. اليوم، وبعد مرور ثلاثة عقود من الزمان، أصبح الملايين من الإيرانيين يتمنون لو كان بوسعهم أن يعيشوا تلك الأيام العنيفة من جديد ولكن على نحو مختلف؛ ومن الحكمة أن ينتبه الباكستانيون اليوم إلى تجربة إخوانهم الإيرانيين في الماضي.