قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد عبد الملك

عقدت لجنة منظمات المجتمع المدني في الخليج -التي تضم ناشطين وحقوقيين من دول مجلس التعاون الست- جلسة تحضيرية للمنتدى الموازي لقمة مجلس التعاون، يوم الجمعة الماضي، وأصدرت بياناً ناشدت فيه قادة دول مجلس التعاون بضرورة التنفيذ الجدي للتكامل الاقتصادي الخليجي، والتسريع في تنفيذ متطلبات السوق الخليجية المشتركة. وطالب البيان بضرورة مشاركة شعوب الخليج في صنع السياسات والقرارات من خلال المجالس النيابية. وأكد على ضرورة إنشاء مجلس أهلي مواز لقمة التعاون كل عام. وقد رفعت اللجنة التأسيسية لمؤتمر منظمات المجتمع المدني مذكرة لقادة دول التعاون تضمنت بعض المطالب الشعبية، مثل: المشاركة في صنع القرار، سيادة القانون وتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات، ضمان الحريات، محاربة الفساد وتطبيق الشفافية والنزاهة، وانضمام دول المجلس إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وتفعيل تلك الاتفاقيات الموقعة.
وكانت هنالك محاولة -العام الماضي- من قبل اللجنة التأسيسية لمنظمات المجتمع المدني في الخليج لعقد مؤتمر مواز لقمة التعاون، ولكن يبدو أن المحاولة قد تاهت في الطريق على رغم الجهود الطيبة والصادقة التي قام بها أعضاء اللجنة ورئيسها في توضيح رؤى المواطنين في ضرورة خلق أجواء المشاركة بين صناع القرار وشعوب الخليج.

ويأتي اجتماع اللجنة هذا العام ليؤكد حتمية قيام المؤتمر الموازي، وضرورة سماع رأي الشعوب فيما يواجه منطقة الخليج من أخطار، وما يكتنف المسيرة الإدارية من سلبيات تؤثر على مستقبل المنطقة كلها. ويلاحظ في المذكرة التي تم رفعها إلى أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس اعتدالها في المطالب، وتركيزها على الحريات التي أصبحت مطلباً ملحاً من مطالب الشعوب، بل وملمحاً من ملامح الدولة الحديثة التي تنتمي إلى الأسرة الدولية! وتوجد في بعض دول المنطقة تجاوزات على الحريات. وفي بعضها الآخر توجد ممارسات تحد من الحريات الشخصية، وأهمها حرية التعبير أو الوصول إلى الحقيقة. خصوصاً مع الانفتاح الإعلامي وانتشار شبكة الإنترنت، وتطور وعي الشعوب، لكن بعض وزارات الإعلام في المنطقة ما زالت متشبثة بلجان الرقابة، ولكأن الكتاب والمحللين الخليجيين غير جديرين بمناقشة قضايا الشعوب، أو أنهم ليسوا أهلاً لمسؤولية تنوير شعوبهم!

أما بالنسبة لتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات، فإن وهج نصوص الدساتير يكاد quot;يخطف الأبصارquot; كلما تصفحنا تلك الدساتير، ولكن عند التطبيق نجد اختلالاً واضحاً في الممارسة -لدى بعض الأنظمة- في تأكيد تلك الحقوق، والتركيز يتم فقط على الواجبات. إن دول مجلس التعاون مطالبة بأن تشرع الأبواب لمنظمات المجتمع المدني كي تقوم بدورها على أكمل وجه، كما أن هذه الدول نراها تركز دوماً على quot;تلقيمquot; الطلاب في المدارس وفي ملاعب كرة القدم الوطنية، لكنها لا تلتفت إلى المواطنة! إن ثقافة المواطنة هي التي تقضي على quot;جورquot; البعض في انتهاك حقوق المواطنين. وإن ملاحظة منظمات المجتمع المدني لتلك الانتهاكات وكشفها للرأي العام هي التي تخلق تساوي المواطنين، وتجعل الولاء كاملاً للوطن، بعيداً عن الولاءات الطائفية التي تصنف أبناء الوطن الواحد إلى عشائر، وتقدم المقدم وتؤخر المتأخر!
لقد عانت دول المنطقة ثقافة معينة ردحاً من الزمن! وكانت تلك الثقافة مقبولة في عصر الغوص والترحال من أجل العشب والكلأ! أما اليوم، مع انتشار ثقافة الكمبيوتر -بما تحمله من معلومات عن الشعوب الأخرى- ومع تخرج عشرات الآلاف من المواطنين من الجامعات الأجنبية الراقية، فإن التمسك بتلك الممارسة أو الثقافة يصبح أمراً غير ملائم للعصر! بل إن تلك الممارسة تشكل انتكاسة مخيبة للآمال لكل الدعاوى والإعلانات المتكررة عن دولة المؤسسات، والحريات والشفافية، وتكافؤ الفرص والديمقراطية، التي نسمعها في كل محفل، لكننا في الواقع نشهد وقائع تناقض تلك المبادئ والعناوين البراقة.
كما تحدثت المذكرة المشار إليها عن محاربة الفساد! وهذه قضية خطيرة تهدد نفاد مقدرات الأوطان في الخليج؛ وتستهدف تدمير مستقبل الأبناء! وها هي الدول تكتشف كل حين quot;بؤراًquot; للفساد -عندما توضع الثقة في غير أهلها- ولكن لله الحمد يتم الإعلان عن تلك quot;البؤرquot; في بعض الدول، وهذه هي الشفافية التي عنتها المذكرة، والتي تتطلع إليها شعوب الخليج. ولكن توجد quot;بؤرquot; في بعض الدول لا يتم الإعلان عنها، وتظل quot;تنخرquot; في عظم الدولة حتى تنهكها!
إن تطبيق مبدأ النزاهة والشفافية من الوسائل والواجبات الرئيسية التي ينبغي أن تضطلع بها الدولة الحديثة. كما أن أموال المنطقة البيضاء يجب أن تحفظ للأيام السوداء! فلابد من تشكيل لجان مراقبة تتمتع بحرية وشفافية مع الحكومات! نعم، إن الأوطان ليست فرصاً يتمتع بها البعض وينفى فيها البعض الآخر! الأوطان للجميع وخيرها ينبغي أن يعم الجميع، وأن يتعلم كل المواطنين مبادئ الإخلاص والأمانة، لا أن يستجيبوا لأمراض الذات، ويستغل بعضهم منصبه، كما يفعل مَن لا يخافون الله وليس لهم ضمير يستجيبون لندائه. بل ولا يأبهون للبشر. وكلما زادت الرقابة ونشطت الشفافية استطاعت هذه الدول التخلص من ملامح الفساد واقتربت من الحكم الرشيد الذي تأمله وتأمله شعوبها.
إن هذه اللجنة الوليدة ما زالت بحاجة إلى سند قوي يدعمها لتواصل عملها لخدمة بلدان وشعوب المنطقة، كما أن مطالبها ليست بتلك المطالب التعجيزية التي تتردد الدول في قبولها، بل إنها مطالب مستقاة من الدساتير الموجودة في الدول، وبالتالي فإنها دستورية وشرعية.
إن عقد مؤتمر مواز سنوياً لقمة مجلس التعاون أمر مهم، ونأمل من دول المجلس أن تلتفت لهذه المبادرة الجميلة -التي تساعد الدول في حل مشكلاتها وتساندها في تأصيل قيم الانتماء لهذه الدول، وخصوصاً أن هناك أيادي عابثة كثيرة لا تريد الخير لهذه المنطقة. كما أن عدم الاهتمام بالمقترحات التي تضمنتها المذكرة المرفوعة لقادة دول المجلس سيزيد من التشتت، ويساعد في نمو الأفكار السلبية والهدامة التي لا تريد الخير لهذه الدول.
نتمنى -بكل محبة- أن يتقبل القادة تلك المذكرة التي انطلقت من فئة من أبنائهم آمنوا بدورهم في حياة بلدانهم، وقاموا باستشراف المستقبل وقراءة أوراقه بروح من المسؤولية والمحبة والانتماء للمنطقة.