قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

خيرالله خيرالله

ماذا بعد حرب غزة؟ هناك وقت للحرب، وهناك وقت لالتقاط الأنفاس والتفكير في الخطوة المقبلة في ضوء ما أسفرت عنه الحرب. الأكيد ان اجتياح غزة ليس نزهة لإسرائيل. لكن الأكيد أيضاً أن على quot;حماسquot; التي سيطرت سيطرة كاملة على غزة منذ منتصف العام 2007 واعتقدت أن في استطاعتها تحويل القطاع إلى quot;قاعدةquot; يمكن الانطلاق منها لتحرير كل فلسطين مراجعة حساباتها. كلّما حصل ذلك باكراً، كلّما كان ذلك في مصلحة الشعب الفلسطيني وفي مصلحة أهل غزة وفي مصلحة القضية الفلسطينية ككل. عاجلاً أم آجلاً، سيصدر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرار في شأن غزة ووقف العمليات العسكرية. سيترافق ذلك مع إرسال قوة دولية إلى غزة لمراقبة الحدود ومنع تدفق الأسلحة على القطاع عبر الأنفاق. يظل السؤال هل ستبقى غزة تحت حكم quot;حماسquot; أم لا في مرحلة ما بعد توقف إطلاق الصواريخ في اتجاه القرى والبلدات الإسرائيلية. لا شك أن توقف إطلاق الصواريخ المضحكة - المبكية التي استغلتها إسرائيل لاجتياح القطاع الذي انسحبت منه بالكامل صيف العام 2005، سيكون في أساس القرار الجديد لمجلس الأمن الذي سيتوجب على الجانب الفلسطيني التعاطي معه منذ الآن.
لم تكن موازين القوى تسمح بتحقيق انتصار عسكري لـquot;حماسquot; في غزة. من اعتقد أن ذلك ممكن انما كان يراهن على أوهام لا أكثر. بل كان يراهن على أن في الامكان استخدام غزة لابتزاز مصر لا أكثر ولا أقلّ. كان مطلوباً أن تكون غزة وسيلة للضغط على مصر، وسيلة يستخدمها المحور الايراني- السوري من أجل تحقيق مآرب لا علاقة لها في أي شكل بمصلحة الشعب الفلسطيني وبالمشروع الوطني الفلسطيني الذي يتلخص بإقامة دولة مستقلة quot;قابلة للحياةquot; عاصمتها القدس الشرقية. هناك فارق كبير بين تقديم التضحيات من أجل المشروع الوطني الفلسطيني من جهة واستخدام الشعب الفلسطيني وقوداً في تصفية الحسابات مع هذا الطرف العربي أو ذاك من جهة اخرى. يكمن الخطأ الذي ارتكبته quot;حماسquot; في أنها قبلت أن تكون مطية للمحور الايراني - السوري وأن تقبل بالتحوّل إلى أداة تستخدم في الضغط على مصر وغير مصر.
متى تجاوزنا النتائج العسكرية لحرب غزة، لا يعود مفر من التطلع إلى المستقبل وإلى المشروع السياسي الذي يفترض بالشعب الفلسطيني التمسك به آخذا في الاعتبار الموازين الاقليمية والدولية وما يمكن تحقيقه في ظل هذه الموازين. لا شك أن الموازين القائمة لا تسمح بازالة إسرائيل من الوجود. ليس الجيش الفلسطيني الذي يطوق القدس وتل أبيب وحيفا ويافا وصفد. ان الجيش الإسرائيلي يطوق عمليا غزة ومدن الضفة الغربية ويمارس ارهاب الدولة في حق الشعب الفلسطيني مستفيدا من شعارات quot;حماسquot; وصواريخها. انه أمر مؤسف إلى حد كبير. لكن هذا الأمر لا يمكن الا أن يؤخذ في الاعتبار متى كان مطلوباً التطلع إلى تحقيق مصلحة الشعب الفلسطيني بعيداً عن أي نوع من الأوهام. كل ما يمكن قوله ان هذا الشعب خاض نضالاً طويلاً من أجل الوصول إلى برنامج سياسي يستند إلى قرارات الشرعية الدولية يسمح له باقامة دولة مستقلة يمارس في اطارها حقوقه المشروعة بصفة كونه شعبا من شعوب الشرق الأوسط.
يتمثّل ما تفعله quot;حماسquot; حاليا في أنها تريد إلغاء البرنامج السياسي الذي تنادي به منظمة التحرير الفلسطينية من أجل برنامج آخر غير مفهوم مبني على شعارات ينادي بها الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد الراغب في ازالة إسرائيل من الوجود. يحصل ذلك في وقت تؤكد دمشق أنها تطمح إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بهدف واضح كل الوضوح يتمثل في الرغبة في التفاوض مع الأميركيين وليس مع الإسرائيليين. من هذا المنطلق، يمكن القول ان quot;حماسquot; أخطأت عندما حولت غزة إلى quot;قاعدةquot; لبرنامج غامض لا أفق سياسيا له. انه برنامج يستهدف، في أحسن الظروف، تحويل فلسطين ورقة في لعبة الصراعات الاقليمية لا مصلحة لها فيها. نعم، لا مصلحة لفلسطين والفلسطينيين في لعبة من هذا النوع تلغي القرار الفلسطيني المستقل الذي أعاد ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني إلى أرض فلسطين التي دفن فيها بدل أن يمضي كل حياته منفيا في هذه الدولة العربية أو تلك.
لم يعد مهما أن تبقى quot;حماسquot; مسيطرة على غزة أم لا. المهم أن تستوعب بعد الحرب الأخيرة أن مصلحتها تكمن في أن تكون في كنف الشرعية الفلسطينية، في كنف منظمة التحرير الفلسطينية وفي كنف السلطة الوطنية الفلسطينية. لا مستقبل للقضية الفلسطينية خارج البرنامج الوطني الفلسطيني الذي يدعو إلى التخلص من الاحتلال واقامة الدولة المستقلة. كلّ ما عدا ذلك يمثل تمسكا بالأوهام ودعوة مباشرة إلى إسرائيل من أجل الهرب من أزمتها الداخلية العميقة عن طريق خوض حروب مثل حرب غزة الأخيرة. مثل هذه الحرب يمكن أن تحسن وضع تسيبي ليفني زعيمة حزب quot;كاديماquot; وايهود باراك زعيم حزب العمل في الانتخابات المقبلة على حساب بنيامين نتانياهو زعيم الليكود، لكنها لن تساهم في جلب الأمن لأي طرف كان في غياب الرغبة في تسوية معقولة ومقبولة تؤمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية المشروعة في اطار دولة مستقلة. هل تكون حرب غزة الحرب الأخيرة، أم تغري الإسرائيليين بحروب اخرى مبنية على أوهام التوسع التي لا تشبه سوى أوهام quot;حماسquot; في تحرير فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر، لا فارق؟