قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز

هناك عدة مجالات لجائزة نوبل، منها الطب وصناعة السلام الدولي والكيمياء والفيزياء والفسيولوجيا والآداب.. إلخ، لكن لو افترضنا أن quot;ألفرد نوبلquot; خصص جائزة تُمنح للشعوب الأكثر صبراً في العالم، فمن سيكون يا ترى هذا الشعب الأممي المحظوظ، الذي سيأخذ كل فرد منه حفنة من أجزاء الدولار بعد تقسيم قيمة الجائزة على شخوصه؟

لاشك ولا ريب ولا جدال في أن الشعب الذي سيُمنح جائزة مفترضة كهذه هو الشعب العربي بدون تفريق.. من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، ومن بحر عُمان جنوباً وحتى الإسكندرونة شمالاً.

وإن كان لابد من مُسوغات لمنح الجائزة لهذه الأمة أو تلك فإننا نقدم للمُحكّمين أسباب ترشيحنا والفوز الأكيد للشعب العربي بجائزة نوبل.. للصبر:

ما الشعوب التي تتقاسم لُغةً وتاريخاً مشتركاً وديناً واحداً للأغلبية، ثم تجد بين هذه الشعوب ما تجد من فرقة وانقسام وهوان أمام أنفسهم وأمام العالم، ثم يتبع كل هذا صبرٌ على المكاره ذات الصناعة المحلية؟ ولا تقل إن ذلك يحدث على مستوى القمم فقط، بل على مستوى سواد هذه الأمة بلا استثناء؛ فلسطين والفلسطينيون الذين يُتاجر بقضيتهم الآن، ألم يتعرضوا لفظائع تشابه ما يعمله الإسرائيليون بهم الآن في غزة؟ أعد الذاكرة إلى ما حدث في مخيمات تل الزعتر وصبرا وشاتيلا بلبنان وتشريدهم في وقت آخر بين حدود بلدين عربيين يقعان في القارة الأفريقية! ألم يدفعوا (الفلسطينيون) أثماناً باهظة أثناء الغزو العراقي للكويت وبعده؟ ألم يُشردوا ويقتلُوا على أيدي quot;حامي البوابة الشرقيةquot;، ومن أطاح بحامي البوابة الشرقية بعد ذلك على حدٍ سواء؟ هم الآن لعبة عبر فصائلهم في الحرب الباردة للمحاور العربية، ويشبهون وهم ماضون في تيه التفرق تلك الفراشات المنتحرة في قلب الضوء اللاهب! أليس هذا منتهى الصبر المضاف إليه عدم الفطنة؟!

وبعيداً عن فلسطين وشجونها ألا يستحق المواطن العربي جائزة نوبل للصبر وهو يقف ساعات طويلة للحصول على رغيف العيش، وبلاده أشهر من كان يزرع القمح وفيها أعظم أنهار العالم وأطولها؟ صابرون هم العرب وحدهم، وهم يعرفون ألا أيديولوجيا تنموية حقيقية تستحق أن يُشار إليها في معظم بلدانهم على رغم الموارد الاقتصادية الهائلة في مكامن أراضيهم وعلى رغم النبوغ في عقول شبابهم!

كل تجارب العالم السياسية والاقتصادية تم (الاشتغال) عليها في حقل تجارب الشعوب العربية.. من إقطاعيات القرون الوسطى إلى عولمة القرن الحادي والعشرين للميلاد، مروراً بالماركسية وquot;الإخوانيةquot; والقومية وسياسة المنابر والأحزاب التي بلا برامج، وحتى الرأسمالية المسماة (وطنية) والتي لم تُبقِ ولم تذر، أليس صبر أيوب - عليه السلام- يذكّر بما عانته أمتنا جراء تلك التجارب طوال العقود الماضية.. ولا تزال؟

الصبر والعرب: حالةٌ وأمة بينهما عُرى من صداقة لا مثيل لها، صبر العرب على محاربيهم وقادة فصائل مقاومة الاستعمار أثناء عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لأن العرض والأرض والآمال العراض ببناء مستقبل زاهر دون وصاية، يتطلب عقد الزواج الكاثوليكي ذاك بينهم وبين الصبر.

لكن المستعمر ذهب وجاءت سنون بعدها سنون، وتحول الاقتتال بين الوطنيين والإمبرياليين، إلى حروب بين أهل الوطن واللغة والدين الواحد، حروبٌ استُعملت فيها كل الأسلحة وما في الصدور، ولأنه لا هدف لتلك المواجهات إلا رغبات التسلط والتزعم وامتلاك القوة، فإن كل من أتى لسدة الحكم للبلاد (المستقلة)، ادعى أنه يفعل هذا لصد غزوات محتملة للمستعمر القديم أو حلفائه quot;الرجعيينquot; العرب... و(العصابات) الصهيونية!

توقفت التنمية وخُصصت كل المداخيل للجيوش العربية الجرارة التي ستمحو أعداء الشعوب ومناهضي الاستقلال والوحدة، وزج المناضلون آلافاً من إخوانهم المناضلين الآخرين من بني جنسهم في السجون كدلالة على جديتهم في حروب الأعداء! فكانت النتيجة فقراً وترويعاً واقتتالاً داخلياً، وفشلاً لا مثيل له في حروبهم مع العصابات الصهيونية، ولم يشذ السلام الداخلي والتنمية عن هذا الفشل والسقوط، لكن كل هذا لم ينهِ -حتى الآن- تلك العلاقة التاريخية بين الصبر العربي والمكاره.. الوطنية!

ينحو العالم كله للتجمع الاقتصادي والسياسي مناطقياً وإقليمياً ويتجه العرب إلى التفرق وانسلاخ البعض منهم من الجسد العربي الكبير، بحجة اختلاف الأعراق والقبائل وتوجه الفصائل المتحاربة، فلا يقابل ذلك من جموع الذين سيمنحون جائزة (نوبل للصبر) إلا.. بالصبر.

لكن الصبر على المكاره عند العرب ليس كله سيئاً، فمنه تعلم البشر بين المحيط والخليج التعامل مع جوع تنوع الحصار الدولي على بعض أنظمتهم.. على رغم أنهم هم المتضررون الوحيدون من القرارات الدولية وغيرهم كانوا هم المستفيدون.

الصبر عَلَّم العرب كيف يستعدون للموت في حروبٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وعلمهم أيضاً كيف يكون لحمهم الأبيض طعاماً لذيذاً لأسماك قرش البحار التي يقطعونها في قوارب أثناء هجراتهم القاتلة، هرباً من الكرب والبؤس والشتات النفسي في بلدانهم.

في كل بيت عربي تقريباً ستجد -وكدلالات على أحقيتنا الوحيدة بالفوز بجائزة نوبل للصبر- تلك اللوحة التي خُطَّ فيها وبشكل لافت تلك العبارة العربية الخالدة: quot;الصبر مفتاح الفرجquot;، الصبر موجود، والفرج مفقود سوى بصيص أمل هو.. الحقل الجديد لجائزة quot;نوبلquot;!