قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد الجارالله

ها هي الحكومة قد تشكلت وعبرت الدهاليز الرسمية, ونحمد الله تعالى حمدا كثيرا أن كل ما سمعناه من هراء وقيل وقال, قد ذهب أدراج الرياح... والمثل الشعبي الدارج يقول: quot;اليد اللي ما تقدر تقطعها... بوسهاquot;, أو بالمعنى الأكثر فصاحة quot;قبّلهاquot;. الحكومة في كل زمان سلطة قادرة على فعل ما تريد, المهم أن تفعل ما تفعله بقوة, والقوة ليس معناها العنف, إنما يأخذ معناها منحى آخر, وهو الثبات على الرأي, وهي تعني ايضا القوة في اتخاذ القرار, أن تسمع الحكومة ما يقول الخصوم وتفعل ما تريد, اذا كانت قناعاتها في ما تفعل صحيحة ومريحة.
الآن نحن أمام حكومة هي نفس الحكومة التي استقالت وعادت, كل ما حدث هو أن ضجيج مجلس الأمة توقف ما يقارب الشهر أو أكثر, وذهب الكل في حالة تأمل قصيرة, وأبدى النواب مشاعر quot;مع وضدquot; ورفعوا أصواتهم وهددوا - كالعادة - بالويل والثبور وعظائم الأمور, لكن لا شيء فعليا قد حدث... الحكومة استقالت كمؤشر للمجلس أنها ستكون آخر حكومة تُقبل استقالتها, والدور بعد ذلك على مجلس الأمة أن يرحل, وربما لن يكون رحيله هذه المرة رحيلاً قصيراً.
وبقراءة للساحة السياسية خلال الأسابيع الماضية, وبكل ما جرى فيها, نرى أن الحكومة تظل في موقف القوة, وهو موقف يريده لها الكثيرون, لأنها حين تهن وتضعف, فإنها توهن وتضعف في الوقت نفسه موقف الذين ناصروها ووقفوا معها, وتحولهم من موالين لها إلى معارضين quot;رداحينquot; ضدها, وهي - في هذه الحالة - تخذلهم وتذهب إلى ما ذهب إليه معارضوها, وهم قلة, لكن أصواتهم مسموعة, ومع ارتفاع نبرة الصوت وتخاذل الحكومة, يحدث التراجع الذي يؤذي مؤيدي الحكومة ويؤذي - وهو الأخطر - الشأن العام الكويتي وقضايا الوطن.
الآن لندع كل هذا جانبا, ولترفع الحكومة من سقف قبضتها على مسار الشأن العام... أمامنا الآن أزمة اقتصادية لا ينبغي أن نقف أمامها متفرجين, وأن يكون الماء على ظهورنا ونحن نحس بالعطش... الحكومة شخصت الأزمة وأعلنت - عبر محافظ البنك المركزي - أننا بحاجة الى تشريعات جديدة, وإلى تطوير التشريعات القديمة حتى تكون قادرة أن تتفاعل بشكل جدي مع متطلبات الأزمة... والسؤال هو: هل بادرت الحكومة إلى إعداد متطلباتها التشريعية وما تريد انجازه, وماذا تنتظر إذن? ولم لا تسارع بإحالة هذه التشريعات المطلوبة إلى مجلس الأمة وتطالبه بالتعجيل بالموافقة عليها? وإذا تلكأ المجلس في حسم هذه القوانين والتشريعات المطلوبة لحل مشكلات الناس ومشكلات الوطن الاقتصادية - وربما الأمنية والاجتماعية - ونركز هنا على القضايا الاقتصادية لنقرع ناقوس الخطر ونؤكد أنه إذا تلكأ المجلس في اصدار تلك التشريعات, التي هي المدخل لحل معضلات اقتصادية, استمرارها يدمر الاقتصاد الوطني والمال العام - إذا تلكأ المجلس فإن من بيده الأمر لاشك سيدرك أنه أمام خيار وحيد مؤيد من الناس الذين تضرروا من quot;رخاوةquot; الحكومة ومن quot;عنفquot; مجلس الأمة, هذا الخيار الوحيد هو اراحة الناس ممن يعيق حل مشكلاتهم, سواء بالاسراع في إقرار التشريعات التي تتطلبها الحلول المقترحة, أو بالهجوم على الحلول التي تطبقها الحكومة, وquot;تأويلهاquot; تأويلا يناسب المستجدات الحالية, فالتشريعات - حتى في الأحكام الدينية - تدور مع المصلحة حيث دارت.
عبرت الحكومة بنفس رئيسها ونفس طاقمها إلا أقل القليل, وستعاني الحكومة نفس ما عانته من قبل, ان هي تراخت وقررت اليوم ونقضت قرارها غدا, وتاهت بين اصوات المرجفين والذين يستمرون في صراخهم وفق معايير وموازين يعرفون أنهم يستعيدون بها ما سبق ان دفعوه للحملات الانتخابية التي أرهقت جيوبهم.
المطلوب من الحكومة, وبعد ان جست النبض, أن تدرك مغزى أن الصراخ لم يزح رئيسها عن منصبه, ولم يؤثر على عودة الوزراء الذين أسرف النواب في الهجوم عليهم وانتقادهم, وبعد أن عرف الجميع ان مخرجات ديمقراطية الكويت ليست كمخرجات ديمقراطية سائر العالم, وأن لنا فهما خاصا للديمقراطية وممارسة خاصة لها, ومهما تغلب طرف على آخر ففي المحصلة النهائية, الأمور تتأزم وتنتهي إلى لا شيء... quot;هذا سيفوه وهذي خلاجينهquot;!
أخيرا على الحكومة أن تبدي قوة حضور وفعالية تجاه القضايا والتحديات التي تواجهها, وهي كثيرة... لدينا ازمة اقتصادية ضحاياها ليسوا فقط الأفراد أو الشركات, وإنما أهم ضحاياها هي الحكومة نفسها, أو المال العام نفسه... الحكومة تملك الكثير في سوق المال, لديها حصص كبيرة في أغلب - إن لم يكن كل - الشركات والبنوك العاملة في البورصة, وتصل نسبة حصتها احيانا الى ما يقارب الاربعين في المئة أو ربما أكثر في بعض الشركات, وعليها أن تحمي هذه الشركات والمؤسسات المالية, وأن لا تنظر بعين الضغينة والحسد لمن يتصدرون قيادة تلك الشركات والمؤسسات, خصوصا انها تمثل 30 في المئة - ان لم يكن اكثر - من نسبة الاقتصاد الكويتي, وهي تتميز بجودة الاداء, لكن بعضها تعرض لما تعرضت له كل أسواق العالم, ولا شك ان بقاءها سيعيدها إلى سيرتها الأولى... وكل ما تحتاجه هو نوع من المرونة يكفل لها انطلاقة جيدة ربما تكون أكثر قوة من ذي قبل.
الحكومة الجديدة القديمة أمامها ان تفرض قوة حضورها, وان تقسو أمام متطلبات المرحلة الحالية, سواء متطلبات الاقتصاد أو الأمن او اصلاح التشريعات, أو استصدار تشريعات جديدة مطلوبة بشكل عاجل... على الحكومة أن تقسو, وليرَ الناس قسوتها في هذا الجانب, ولعلها تستدعي الى ذاكرتها ما قاله يوما شاعر عربي:
قسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً
فليقسُ أحيانا على من يرحمُ
وبعدها إذا لم تسر الأمور وفق مستقر لها, فإن quot;الوجه من الوجه أبيضquot; - كما يقال - وعلى المجلس أن يرحل, وأن يريح ويرتاح الناس منه, وعندها لن يلام ولي الأمر ولا غيره, فالرب أعطى... والرب أخذ!