قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سعد محيو

كل حرب لها جانب عسكري وآخر استراتيجي. وما لم يتطابق الاثنان، ليس في وسع أحد الطرفين المتصارعين ادّعاء النصر حتى لو انتصر عسكرياً.

هذا القانون كان واضحاً في حرب لبنان ،2006 حين فشل التفوق العسكري ldquo;الإسرائيليrdquo; الكاسح في تحقيق أهداف تل أبيب الاستراتيجية، وهي فرض هيبة الردع ومنع حزب الله من تشكيل تهديد أمني لrdquo;إسرائيلrdquo;.

وهذا القانون نفسه على المحك الآن في غزة. فآلة الحرب ldquo;الإسرائيليةrdquo; تكاد تحوّل كل القطاع إلى أرض محروقة بكل أنواع القذائف والصواريخ الحارقة (التفوق العسكري)، لكن هذا لن يكون كافياً ما دامت المقاومة لم ترفع الرايات البيضاء (العنصر الاستراتيجي)، وطالما أنها ستبقى بعد وقف إطلاق النار كقوة مقاوِمة قادرة على إعادة بناء نفسها وقواها كما فعل حزب الله في لبنان.

صحيح أن ثمة شحاً في المعلومات من كلا الطرفين الحماسي وrdquo;الإسرائيليrdquo; حيال حقيقة ما يجري على أرض المعركة، لكن دخول الحرب أسبوعها الثالث فيما القيادة السياسية والعسكرية ldquo;الإسرائيليةrdquo; منقسمة حول العمل لوقف إطلاق النار أو متابعة الهجوم، يشي بأن الشق الاستراتيجي ldquo;الإسرائيليrdquo; من الحرب لم يتحقق بعد، وأنه سيكون في وسع حماس حتى في حال وقف إطلاق النار غداً أن تعلن أنها انتصرت لأنها لم تنهزم.

هذه نقطة. وثمة نقطة ثانية لا تقل أهمية: كل الجيش ldquo;الإسرائيليrdquo; بأفرعته الجوية والبرية والبحرية يشن حرباً، عنوانها الرئيسي استخدام العنف حتى منتهاه من دون أي قيود أو روادع، على بقعة جغرافية لا تتجاوز مساحتها ال300 كيلومتر مربع. لكنه مع ذلك، لم يتمكن حتى الآن سوى من التقدم بضعة كيلومترات إلى داخل القطاعات المدنية في غزة.

لماذا هذه النقطة مهمة؟ لأنها تذكّرنا بأن الجيش ldquo;الإسرائيليrdquo; كان يتمكن طيلة حروبه المديدة مع العرب منذ العام 1948 وحتى العام 2006 من اكتساح الأرض العربية في سرعة البرق.

خلال حرب السويس العام ،1956 احتاج الجيش ldquo;الإسرائيليrdquo; إلى بضعة أيام لاختراق صحراء سيناء والوصول إلى ضفاف قناة السويس. وفي حرب الأيام الستة، كانت هذه الأيام الستة كافية لابتلاع الجيش ldquo;الإسرائيليrdquo; أراضي شاسعة في ثلاث دول عربية دفعة واحدة: مصر والأردن وسوريا. وفي حرب 1973 كان المبرر الرسمي العربي لوقف القتال هو ثغرة ldquo;الدفرسوارrdquo; التي فتحها فجأة الجيش ldquo;الإسرائيليrdquo; (بقيادة شارون آنذاك) والتي قيل إنها فتحت أمامه أبواب القاهرة.

كل هذه الحروب كانت تستغرق أياماً وحتى ساعات، رغم أنها تخاض ضد جيوش عربية كبيرة ومدربة ومجهزة بأحدث الأسلحة أو على الأقل بأسلحة كافية. والآن، يفقد الجيش ldquo;الإسرائيليrdquo; هذه الميزة الزمنية مع منظمات عربية صغيرة وشبه عسكرية، ويضطر إلى القتال الضاري للسيطرة على كل شبر أو إنش في غزة وقبلها في لبنان.

لماذا؟ السبب واضح: ليس فقط إرادة القتال، رغم أهميتها الحاسمة، بل أولاً وأساساً الإدارة الاستراتيجية والقرار بمنع موازين القوى العسكرية من التحوّل إلى محصلات استراتيجية لصالح الخصم.

هنا، وعند تخوم هذا القرار، يقع العسكري أسير ما هو استراتيجي بدل أن يكون هو آسره، فتتغير قواعد اللعبة وتنقلب المعايير المنطقية حيال معنى النصر ومفهوم الهزيمة.

إنه حقاً بُعدٌ جديد كل الجدّة في صراع الشرق الأوسط. بُعدٌ قد تكون له مضاعفات تاريخية كبرى في كل المنطقة العربية، في حال انجلى غبار الحرب الراهنة في غزة عن نصر عسكري لrdquo;إسرائيلrdquo; وهزيمة استراتيجية لها.