قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

غسان شربل
فرك العربي عينيه كمن لم يصدق. نادرا ما تحمل الفضائيات خبرا يسره. اعتاد المحللون على ضخ التشاؤم في عروق المشاهدين. ودرجت الاخبار على تأكيد شهيات المحللين. لكنه البارحة فرك عينيه. كان يخشى ان تذهب الامور في اتجاه آخر. وان تجرجر الامة نفسها من قعر الى قعر. وان يكون المستقبل مجرد طريق مفتوحة على الهاوية.
ولم تكن امام القمة العربية في الكويت خيارات كثيرة. تكون قمة الانقلاب على المشهد العربي المريع او تكون قمة تكريس الطلاق. ولم يكن سراً ان الآمال كانت قليلة وضئيلة. وان المتشائمين استعدوا للاحتفال بدقة حساباتهم. وان الشامتين استعدوا لاطلاق الابتسامات المسمومة.
ولم يكن سرا ان المشهد العربي مريع. ولا يسمح بارتكاب آمال، وان متواضعة. وان ما سبق القمة ليس بسيطا. والاتهامات التي اطلقت ليست عابرة. وان العالم العربي تحول جزرا متباعدة متنابذة. وان شعوب الجزر سلمت بحال الانقسام واستسلمت ولم يبق لها غير متابعة رياح الانقسام تهب على الشاشات وتعصف بالمجتمعات.
ولم يكن سرا ان مشاهد مذبحة غزة خلعت قلب العربي وأشعرته بالذل والوهن. وان آلة القتل الاسرائيلية استفادت من تشرذم العرب وظهور العربي في صورة اليتيم على مائدة الاقليم. وان الشرق الاوسط الجديد يتأسس على حساب laquo;الرجل المريضraquo;. وان القوى الاقليمية تستعد لتوزيع ارث المرحوم. ولم يكن سرا ان قرار الحرب والسلم لم يعد عربيا. وان قوى تتقدم في ظل اطلاق النار. واخرى تتقدم باسم التعقل والوساطات و laquo;انضاجraquo; مواقف المتشددين. وان العرب ينتظرون نتائج مباريات الآخرين على الملعب العربي لتحدد لهم شروط الاقامة في شرق اوسط جديد لا يشبه الذي اشتهاه جورج بوش.
كان الخيار واضحا امام قمة الكويت. يضيع دم غزة، ومعه آخر ما تبقى من ثقل للعرب او دور، او يرتفع صوت مخاطبا تلهف الامة الى لملمة جراحها وكرامتها ومصالحها ووقف التلاعب بدمها على ما يفترض انه ملعبها. ولم يكن القرار سهلا. الجروح عميقة والشكوك عميقة. ولا بد للقرار الصعب من ارادة استثنائية. وهكذا كان. فاجأ الملك عبدالله بن عبدالعزيز القمة بقرار اسقاط الخلافات العربية. وجاء الرد بمستوى المبادرة فكانت قمة المصافحات والمصالحات التي غيرت مناخ القمة وضخت تفاؤلا في العروق العربية التي انهكتها امواج الانحدار ورياح الطلاق.
مهمة ترميم البيت العربي ليست سهلة. لكن مجرد عودة العرب الى الاجتماع تحت سقف المصالح العربية يشكل خطوة مهمة يمكن التأسيس عليها. انها خبر سار وفسحة تنفس للشعوب العربية التي دفعت ثمن مرحلة الانقسام. افكر هنا بالفلسطينيين واللبنانيين. ان دماء غزة تحتم على الفلسطينيين الانتقال سريعا من منطق الفصائل الى منطق المؤسسات وعلى قاعدة احترام الثوابت الوطنية. المصالحات التي شهدتها الكويت تفرض على اللبنانيين الارتقاء الى مستوى المسؤولية واستئناف مسيرة بناء مؤسساتهم بعيدا عن الممارسات الكيدية وسياسة تسجيل النقاط ولو على حساب روح المصالحة ومصلحة اللبنانيين.
حصيلة تجربة المرحلة الماضية تؤكد ان حرب الادوار والمواقع اضعفت كل العرب بلا استثناء. وبصورة بسيطة يمكن القول ان الدور السعودي لا يمكن تجاوزه. وان دور مصر ليس عابراً. وان دور سورية ليس طارئاً. وان هذه الادوار يمكن ان تتعايش وتتعاون وتتكامل تحت سقف المصلحة العربية وضرورة جبه الاخطار. وان ما يربط العربي بالعربي يبقى اهم واعمق مما يمكن ان يربط اي عربي باي طرف غير عربي في الاقليم او خارجه.
فتح موقف الملك عبدالله بن عبدالعزيز الباب لمناخ يمكن اختصاره بأنه قرار عربي بوقف الانهيار. وهو قرار يشكل رسالة واضحة للدولة العبرية وآلتها العسكرية العمياء. ورسالة لادارة باراك اوباما لالتقاط فرصة بقاء مبادرة السلام العربية مطروحة على الطاولة. والأكيد ان ترميم البيت العربي يؤدي في حال استكماله الى اعادة رسم حدود الادوار غير العربية في الاقليم وهذا يعني ايران وتركيا معا ومن دون العداء للدولتين. يبقى ان الشهور المقبلة ستشكل فرصة لاختبار صلابة قرار وقف الانهيار وقدرة العرب على إجراء مراجعة هادئة وجدية للمرحلة الماضية. حان ان يتخاطب العرب بلغة المصالح والتضامن. وان يبددوا الانطباع بأن العالم العربي هو laquo;الرجل المريض في بدايات هذا القرنraquo;.