قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إميل أمين

غداة فوز المرشح الديمقراطي في الانتخابات الأميركية باراك اوباما بالرئاسة، كتب المفكر الفرنسي الكبير باسكال بونيفاس تحت عنوان laquo;تجديد الحلم الأميركيraquo; يقول: يمثل انتخاب رئيس اميركي أسود، بالنظر الى هذا التاريخ المترع بالعنصرية والتمييز، دليلا آخر على قدرة أميركا على السير قدما وتجاوز أخطاء الماضي، والأهم هنا أن اختلاف أوباما يظهر ايضا مقارنة مع بوش الذي كان يحتفي بالقيم الأميركية علانية، بينما يمرغها في الارض في أثناء التطبيق، على غرار ما أظهرته التجارب في laquo;أبو غريب وغوانتاناموraquo;. وفي يوم تنصيبه يتساءل الناس كيف لاوباما ان يستعيد صورة أميركا الحلم المحبب في عيون ومخيلة العالم والذي شوهه بوش الى اقصى حد ومد؟!

تساءلت الكاتبة الاميركية سوزانا روديل مؤخرا على صفحات الواشنطن بوست: laquo;هل يمكن ان تستقيم الأمور من جديد؟ وهل يمكن لنا ان نتشارك مع الآخر بدلا من الاستعلاء عليه؟ وهل يمكن أن يوجد لدينا القائد الذي يجسد ليس ذلك التنوع الاميركي فقط، ولكن التنوع في العالم بأسره؟raquo;، وتجيب: laquo;يقول لي أبنائي نعم يمكننا ذلكraquo;.. وهي تقصد ولاشك أنه من خلال أوباما سوف يتحقق الحلم من جديد، على أن ذلك له شروط وخرائط طريق.. ماذا عن ذلك؟

في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، كانت صحيفة الانترناشيونال هيرالدتربيون، وعبر كاتبها الشهير نيكولاس كريستوف، تؤكد على حتمية عودة أميركا الى العالم بعد نحو ثماني سنوات من العزلة التي فرضتها سياسات الرئيس بوش. وترى ان هناك ثلاث طرق يمكن للأميركيين في حال اتباعها، العودة ثانية الى الحظيرة الإنسانية العالمية، إذا جاز التعبير ..ماذا عن ذلك؟

يقول كريستوف: laquo;ليس علينا إغلاق معتقل غوانتانامو سيئ السمعة وحسب، بل يمكن، ويجب أن نحوله الى مركز دولي لأبحاث الأمراض الاستوائية التي تبتلى بها الدول الفقيرة.. وهكذا يمكن أن يصبح مثالا للإنسانية متعددة الجوانب، ويتعين على الرئيس أوباما كذلك أن يبدأ بتشكيل لجنة الحقيقة للتحقيق في التعذيب وغيره من الانتهاكات التي حصلت في أثناء الحرب على الإرهاب. ثم يجب على الرئيس اوباما أن يشير الى اننا لن نواجه المشكلات بتفجيرها، فالمعدات العسكرية أساسية، لكنها لا يجب ان تكون الخيار الاول لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.. وعلينا ايضا ان نبدي اهتماما اكثر بكثير بالدبلوماسية العامة والمساعدات الخارجيةraquo;.

والشاهد، انه على رغم كل الآلام والمصاعب التي تسبب فيها جورج بوش للولايات المتحدة الأميركية، والإساءات التي لحقت بها، فإن هناك مجالا أمام الرئيس اوباما ليحاول معالجة وترميم الصورة التي اهترئت في عيون العالم. وفي هذا الصدد يؤكد حكيم أميركا المعاصر ومستشارها السابق للأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي انه بينما يشهد العالم يقظة سياسية تختلف معالمها جذريا باختلاف المنطقة الجغرافية، فإن الولايات المتحدة ركزت على فكرة أن الشعوب تتطلع الى الديمقراطية والثروة التي يمكن تحقيقها من التجارة الحرة والأسواق المفتوحة فقط، وتناست أن الشعوب تبحث من خلال تلك اليقظة السياسية عن كرامتها. لذلك يرى بريجنسكي ان الرئيس المقبل للولايات المتحدة ينبغي ان يتحلى بتفهم لطبيعة الشعور العالمي بضرورة ان يسود العدل وان يستمع كرئيس أميركي الى مظالم الشعوب الاخرى، وان يتفهم بوضوح غير عادي مسؤوليات زعامة العالم ويعيد الولايات المتحدة الى ارض الواقع لكي تتعامل بواقعية مع التحولات الجارية في عالم اليوم. ويعتقد ايضا انه لو افتقر الرئيس الأميركي المقبل الى هذه السمات، فستضيع من الولايات المتحدة فرصة تصحيح أخطاء الماضي وفرصة استعادة هيبتها ومكانتها، وقد تكون تلك الفرصة الأخيرة على حد قوله هل من خارطة طريق لأوباما؟

في زمن الانتخابات الرئاسية، وربما قبلها بقليل، كانت وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت تعيد كتابة الوصايا العشر لاوباما على أمل تحسين صورة أميركا وفيها:

أولا: عليك ايها الرئيس ان تكرم جنودنا عن طريق تذكر تضحياتهم التي يجب ألا تغيب عن ذهنك ابدا، وان تحصر تلك التضحيات بالمهمات الاساسية، وان تزودهم بما يمكنهم من اداء مهمتهم، وان تعيدهم الى الوطن بسلام وبمجرد ان تسمح الظروف بذلك.

ثانيا: عليك ان تدرك ان الثنائية الحزبية في الولايات المتحدة ليست جدية، فلا الديمقراطيون ولا الجمهوريون، يمتلكون احتكارا لحكمة.

ثالثا: عليك أن تتذكر دائما ان بلدنا حال استثنائية بالنظر لما يتوافر له من موارد وتقاليد، ومثل، وليس بسبب ما نصطنعه من استثناءات لأنفسنا من القواعد التي نصر على ان يتبعها الآخرون، فالتعذيب ليس سلاحا يمكن ان نستخدمه في محاربة الارهاب، بل انه على العكس من ذلك كان إذلالا لنا وهدية للقاعدة.

رابعا: عليك ان تفهم ان اميركا اليوم في نظر الكثيرين، فيما وراء البحار، تتماهى مع العنف والعنجهية أكثر من تماهيها مع العدالة والحرية، وانها مرتبطة بأذهانهم بغوانتانامو أكثر من ارتباطها بشواطئ الحرية.

خامسا: هاجم القاعدة في نقاط ضعفها، فهولاء الارهابيون ليسوا محاربين، بل قتلة يقتلون العزل والأطفال والمسلمين، ولا رؤية لديهم للمستقبل سوى حد السيف، ولا ينبغي اتهامهم بالإرهاب الإسلامي لأن جرائمهم غير إسلامية بامتياز.

سادسا: لاتدع اخطاء الرئيس جورج بوش تحبط مسعاك من أجل نشر الديمقراطية.. استبعد الحماسة من أجل الحرية من أميركا فلا تعود هناك اميركا، انما يذكر أن الديمقراطية يجب أن تتطور، وهي لا يمكن أن تفرض وهي تجبل من مزيج من الأفكار السامية والتجارب اليومية.

سابعا: ثق بالشعب الاميركي، اننا اكثر استعدادا للتضحية مما يعتقد اغلب السياسيين، شريطة ان نعامل معاملة البالغين وان يتم اطلاعنا على الحقيقة.

ثامنا: كافئ على الصدق ولا تكافئ على المداهنة.. ان المستشارين الذين تحتاجهم هم أولئك الذين لن يخافوا تحذيرك عندما تكون على وشك الوقوع في الخطأ.

تاسعا: تعلم من الماضي، ولكن لا تعتمد على الكليشيهات التاريخية كوسيلة لإملاء تصرفات المستقبل.

عاشرا: اذا اردت ان تغادر البيت الابيض ورأسك مرفوعا عاليا، فان عليك أن تضع نصب عينيك دائما قدرتك على السقوط في الخطأ. كما أن عليك أن تتذكر دائما أن الناخبين، وليس القدر، هم الذين جعلوك رئيسا.

ما الذي يتعين على اوباما فعله حتى يمضي في طريق بعيدة عن ذاك الذي تبعه بوش، وكان ولايزال مملوءا بالألغام؟

ربما يتعين عليه ان يجمع بين جرأة روزفلت وتعامل ايزنهاور الحذر، ثم التفاؤل الحالم للرئيس ريغان. فقد كانت ادارة ترومان الديمقراطية ترزح تحت إخفاقات حرب فيتنام وفضائح اخرى تورطت فيها، بالاضافة الى اندلاع ازمة الاسكان من جهة وتململ الرأي العام من الديمقراطيين من جهة اخرى. وهكذا تمكن ايزنهاور في العام 1952 من دحر المرشح الديمقراطي، فقط بالتعالي على مشكلات الادارة السابقة، وتعهده بالذهاب الى كوريا، وما إن تقلد منصبه حتى استطاع إنقاذ رئاسته، ونجح بأسلوبه المعتدل في استرجاع ثقة الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء. كما ان نظافة يده واستقامته الشخصية منحت المواطنين الأمل في عهد جديد خال من التدخلات السياسية والصراعات الحزبية. وفي غضون سنتين من رئاسة ايزنهاور اختفت العديد من المشكلات التي لاحقت ترومان واستقر الوضع في كوريا كما اندثرت المكارثية. وبحلول العام 1981، وبعد دخول البلاد اربع سنوات من الركود والاخفاقات الخارجية في عهد الرئيس جيمي كارتر، ظهر رونالد ريغان ليدير ظهره لسياسات سلفه، ويتخذ لنفسه طريقا مختلفة، فقد غيّر ريغان السياسات الاميركية ولاقى تعاطفا كبيرا وترحيبا غير مسبوق من الرأي العام، لتمر السنوات الأولى من رئاسته بسلاسة، ما منحه الثقة للوقوف في وجه المطالب القاسية لبعض الفئات العمالية، لكنه في الوقت نفسه مدّ يده للطرف الآخر، واستطاع تحقيق جزء كبير من اجندته واهدافه المعلنة، مثل خفض الموازنة الفيدرالية وتقليص الضرائب ثم رفع نفقات الدفاع. ربما يتعين على الرئيس الأميركي الجديد إذن الجمع بين جرأة روزفلت وحرصه الدائم على تجريب الأفكار الجديدة، وتعامل ايزنهاور الحذر والمتيقظ مع حرب سيئة في آسيا، ثم التفاؤل الحالم للرئيس ريغان.

في نهاية سطور كتابه القيم laquo;الاختيار.. السيطرة على العالم أم قيادة العالمraquo;، يقول بريجنسكي laquo;يمكن ان تنتصب قلعة فوق تلة بمفردها فقط، وتلقي بظلها المرعب على كل ما تحتها. إذا اتصفت أميركا بهذه الصفة، فسوف تصبح محط الكراهية العالمية.. في المقابل، فإن مدينة فوق هضبة يمكنها أن تضيء العالم بأمل التقدم الإنسانيraquo;، ويكمل laquo;لا يمكن ان تخفى مدينة مبنية فوق جبل.. هكذا فليضئ نوركم درب الناس ليروا أعمالكم الصالحةraquo;.. فهل سيضيء اوباما أميركا من جديد؟