وليد نويهض

أمام حشد مليوني أقسم الرئيس باراك حسين أوباما على احترام الدستور وحماية المصالح الأميركية. وجاء حفل التنصيب الذي لم تشهد الولايات المتحدة مثيلاً له منذ تأسيسها ليؤكد أن الجمهور الانتخابي قرر الذهاب بعيداً في خيار التغيير.

خيار التغيير حاول الرئيس الجديد توضيح معالمه في خطابه الأول. فالخطاب انتقد السياسة السابقة وما خلفته من سلبيات على الاقتصاد وسمعة الولايات المتحدة. وأشار الخطاب إلى أن دبلوماسية القوة ليست كافية للحماية وضمان المصالح والاستقرار وأن المبادئ والقيم والمثل تشكل رافعة إنسانية وأخلاقية لأميركا وتساعدها على عمليات الترميم والإنقاذ.

الخطاب الافتتاحي الذي تعرض للخطوط العريضة حاول التواضع أمام التحديات وتلك الصعوبات التي تواجه مهمات خيار التغيير. التغيير من دون شك حصل وسط تأييد شعبي جارف لم ينله أي رئيس منتخب في التاريخ الأميركي. فالرئيس الجديد شعبوي ويمثل آلياً تلك الرغبة الداخلية الدافعة نحو التصالح مع النموذج والتاريخ وتنوع الأعراق والألوان وتعدد الثقافات والأديان. الحشود البشرية التي تجمعت في ساحات واشنطن كانت أشبه بموجات laquo;تسوناميraquo; جاءت من مختلف الولايات والأعراق والديانات لتؤكد أن الولايات المتحدة قبلت التحدي والتخلص من أرثها والدخول في مغامرة التغيير انطلاقاً من مبدأ المصالحة مع الذات. وهذا الفعل الشعبوي التقط أوباما ذبذباته السياسية في خطاب التنصيب حين أشار مراراً إلى أن أميركا قررت إعادة إحياء نموذجها وموقعها ودورها انطلاقاً من مجموعة حسابات تتجاوز تلك العقليات الضيقة. ولهذه الأسباب الماثلة بشرياً أمام منصة القسم أشار أوباما إلى التكوين الثقافي والديني واللوني الذي تتشكل منه الولايات المتحدة. فالخطاب تضمن الكثير من نقاط المصالحة والتصالح والاستعداد للتفاهم وتجسير العلاقات مع شعوب العالم.

في كل الحالات تبدو الولايات المتحدة الآن تمر في فترة مراجعة وهذه النقطة بحد ذاتها تشكل خطوة جريئة تريد القطع مع سياسة إدارة جورج بوش السابقة. والقطع لا يعني بالضرورة انقطاعاً بقدر ما هو محاولة تجاوز لتلك العثرات والمطبات والثغرات بقصد ترميم الهيكل الداخلي للمؤسسات الذي تصدع بسبب إيديولوجية تيار laquo;المحافظين الجددraquo;، وربما محاولة لتجاوز تلك السياسة الهجومية في الخارج التي أدت إلى أضعاف أميركا دولياً وعزلها في الكثير من المناطق والقارات.

مهمات أميركا كثيرة وصعبة. ومشكلة أوباما الآن تتركز على كيفية أقناع الشارع (الجمهور الانتخابي) بخفض توقعاته بعد أن أعطاه ثقة فاقت كل الحسابات الرقمية والنسبية. وأهم نقطة تواجه أوباما هي قدرته على إعادة ترويض العقلية الأميركية وضبطها في إطار من السياسة الواقعية. فالشعبوية أحياناً تلعب دوراً سلبياً في حال تجاوزت نطاق القدرة على تطويع الخطاب وتهذيب مثالياته وتشذيب الطموحات والآمال المنتظرة.

حتى الآن لا يزال أوباما أسير الشارع وذاك الجمهور الانتخابي الصاخب وتلك الوعود الوردية بالتغيير. المشكلة تبدأ بعد انقضاء المهلة الزمنية وهي تشكل عينة للاختبار والامتحان. والمادة الزمنية تحتسب عادة بمئة يوم وبعدها تأخذ موجة laquo;تسوناميraquo; البشرية بالانحسار تدريجياً لينكشف الواقع أمام الحقائق الميدانية والتاريخية.

لا شك في أن أميركا قررت محاسبة نفسها داخلياً وهي نجحت في إنقاذ مشروعها من الانهيار وقررت إعادة ضخ دماء جديدة في شرايينها التاريخية بهدف إحياء النموذج وتطويره. فالولايات المتحدة نجحت في اختبارها الداخلي حين قررت اختيار رئيس من أصول إفريقية لإنقاذها من التفكك والانهيار. والقرار الذي اتخذه الجمهور الانتخابي جاء للمصالحة مع الذات بنسبة عالية تتناسب مع المتغيرات السكانية (اللونية الثقافية) التي تتشكل منها المجموعات البشرية.

قرار المصالحة مع الذات نجح داخلياً في الأمد المنظور ولكن هل تنجح الولايات المتحدة في اتخاذ قرار المصالحة مع الخارج وتخطو تلك الخطوة المطلوبة لإعادة التوازن والاحترام لسياستها الدولية؟ شعبية أوباما في العالم كاسحة وهي لا تقل في نسبتها عن تلك التي نالها في الداخل الأميركي. ومثل هذه الشعبية المخيفة دولياً تطرح فعلاً أمام أوباما سلسلة تحديات خطيرة لا تقل أهمية عن تلك الآمال والتوقعات التي ينتظرها منه الجمهور الأميركي في الداخل. فالعالم من أوروبا إلى أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا وصولاً إلى العالمين العربي والإسلامي في حال من الانتظار ويتوقع من أميركا سياسة مخالفة لتاريخها ومصالحها واستراتيجيتها.

عقارب الساعة

هل ينجح أوباما في تغيير الساعة وإدارة عقاربها الزمنية بالاتجاه المعاكس؟ هذا التحدي يبدو أكثر من قدرة الفرد (الرئيس) على إنجازه حتى لو قرر السير بموجبه منذ اللحظة الأولى. فالعالم كبير للغاية ويتجاوز في مساحاته وقدراته وإمكاناته حجم الولايات المتحدة وطموحاتها. وإذا كان الرئيس السابق جورج بوش قد فشل خلال ولايتين في تعديل توازناته بالقوة فيرجح أن يفشل الرئيس الحالي في تعديل خياراته بالسلم في ولاية واحدة أو ولايتين.

المسألة إذاً ليست بسيطة وغير سهلة. وكل التوقعات والمراهنات التي جرفت الشوارع وصنعت الأحلام ستصاب بخيبة أمل ليس لأن أوباما لا يريد بل لأنه لا يستطيع. فالواقع أقوى وتراكم حلقات الزمن تحتاج إلى آلية مضادة تمتلك قدرات هائلة لكسر عقارب الساعة وتعديل حركة المتغيرات. ولهذا السبب بدأت الحلقة الضيقة التي تحيط بأوباما تشير إلى صعوبات تتطلب التعاون والتعاضد والتضامن لكسب معركة التحدي. المعركة طويلة وشاقة فهي بدأت داخلياً بخطوة نوعية قررت خلالها الولايات المتحدة معاقبة تاريخها والبدء في حلقة جديدة تكسر تلك الثقافة النمطية عن الأعراق والألوان والديانات والثقافات. إلا أن تلك الخطوة الجبارة تحتاج إلى إمكانات استثنائية لمتابعتها بخطوات جبارة أخرى. مثلاً انتخاب رئيس من أصول إفريقية وأسرة مسلمة لا يعني أن العنصرية في أميركا غابت عن المسرح التاريخي وأن العداء للإسلام وكراهية العرب اختفت عن الشاشة السياسية. وأيضاً انتخاب رئيس من خارج المؤسسات واللوبيات التي تتحكم تقليدياً بالقرار الذي تعتمده إدارة واشنطن لا يعني أن نهاية تلك المؤسسات اقتربت وأنها باتت في موقع يمنع عنها ترتيب هجوم معاكس.

كل الاحتمالات واردة ومفتوحة لذلك سارعت الحلقة الضيقة التي تحيط بأوباما إلى توجيه نصيحة للرئيس بأن يتحرك بسرعة ليستفيد من تلك الشعبية الكاسحة وهالة الجاذبية قبل أن يفقدها بعد فوات الأوان. فالإدارة تشجع أوباما على التحرك بسرعة وتحضه على استخدام ذاك الالتفاف الشعبي والدولي لتوجيه ضرباته الإصلاحية وتصحيح معادلات داخلية وخارجية قبل أن تتراجع موجة laquo;تسوناميraquo; وتعود الأمور إلى مواقعها.

إلى النصائح بدأت مخاوف كثيرة تظهر في التحليلات الصحافية والتوقعات التاريخية. فهناك من يشير إلى نمو نزعة عنصرية مضادة أخذت تنتشر بسرعة في ولايات أميركية laquo;بيضاءraquo; ما يعزز احتمال تطور الاستقطاب اللوني إلى درجة عليا من التوتر قد يدفع العلاقات الأهلية نحو الانفجار أو الانفصال. وهناك قراءات مضادة تؤكد إعادة إحياء الحلم الأميركي انطلاقاً من رؤية تاريخية تمنع انهيار الدولة وتفككها إلى ولايات أميركية متناحرة ومتنافسة.

كل هذه الخرائط في سلبياتها وإيجابياتها مطروحة على طاولة البيت الأبيض منذ اليوم الأول لرئيس كسر المألوف واخترق الحواجز في مدة زمنية قياسية وبشعبية فاقت كل التوقعات والحسابات. فهل ينجح أوباما في إنقاذ النموذج وإحياء المشروع الأميركي أم أنه سيفشل في تحقيق وعوده بالتغيير بعد انكشاف الواقع أمام الحقائق الموضوعية؟ الجواب معطل لكون المسألة تحتاج إلى فترة انتظار لن تكون أقل من العينة الزمنية التي اتفق على أن مدتها مئة يوم. فالحشود المليونية والملونة احتشدت في ساحات واشنطن وأعطت موافقتها على التغيير إلا أن القرار تمتلكه مؤسسات الدولة لا الشارع.