قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مشعل السديري

في بداية حياتي التجارية ـ غير الموفقة ـ تشاركت مع صديق لا يقل جهالة عن جهالتي في عالم المال ورجال الأعمال، وافتتحنا محلا صغيرا لبيع الزهور، بناء على نصيحتي واقتراحي وإلحاحي.

لا أريد أن أخوض كثيرا فيما آل إليه ذلك المشروع من فشل ذريع، فحكايته سوف تطول لو دخلت فيها، وأنتم لستم ناقصين (دوشة الدماغ) فيكفيكم العراق وفلسطين، ولكن أهم ما في تلك الحكاية أنها أوصلتنا إلى الدرك الأسفل من الإفلاس، وإلى أن ذلك الذي كان صديقي لم يعد صديقي إلى يومنا الحاضر، بل أصبح يترصدني بالعداوة ليل نهار، وأقول لكم الحق: إن الحق معه (100%)، فهو الذي سمع مشورتي واقتراحي، وهو الذي دفع رأس المال كاملا من جيبه، وهو الذي قبل أن أكون شريكا له بالنصف، مقابل إدارتي للمشروع، والوقوف على المحل، وهو الذي ائتمنني ووكل أمره إلى الله، رغم أنه كان بعيدا ويسكن في الرياض، وأنا مستفرد بالمحل في جدة، وأتقلب بين الزهور والورود صباحا ومساء، وذهبت أكثر من نصف البضاعة (كهدايا) تشجيعية من قبلي ـ خصوصا لبنات المدارس (اليتيمات) ـ كنوع من التبرعات للأعمال الخيرية، التي لا أرجو من ورائها جزاءً ولا شكورا.

كانت نيتي طيبة وبريئة، لأنني أردت أن أفشي وأنشر المحبة (والرومانسية) بين الناس، ولكن ما هكذا يدار رأس المال، وما هكذا (تؤكل كتف) النجاح، وما هكذا يفعل الأذكياء الذين يطلبون العلا ويسهرون الليالي، وأنا لم يكن لي من هَمّ سوى تزيين نفسي، وتزيين محلي، وأن أسهر الليالي بطولها بين أحضان الطبلة والكمنجة والقيثارة واللعب بالعصا أحيانا. ولكنني، رغم عبثي وكرمي واستهتاري، لم أسطُ ولم يدخل جيبي ريال واحد أكثر من حصتي المقررة، حسب العقد بيني وبين ذاك الذي كان صديقي. كنت حقا أمينا ونزيها وشريفا إلى درجة (تأنيب الضمير).

وبدأت محبتي للزهور منذ الصغر، وتأكدت تلك المحبة وترسخت بعد أن التقيت في لبنان بمستثمر تجارته هي زراعة الزهور بجميع أنواعها. وفي ليلة ساهرة بيني وبينه في مقهى (الدولتشي فيتا) على الروشة في بيروت، وكان وقتها (متسلطناً)، أخذ يحكي لي عن عالم الزهور، وحبب إليَّ أكثر ما حبب زهرة (الأوركيديا)، وكيف أن تلك الزهرة تفتن الإنس والجن معا، وتثير جميع الغرائز، وهي الأكثر غرابة في جمالها وتنوعها، وهي التي تعصف بالأنف بأريجها الأثيري المسكر، وهي الزهرة الوحيدة التي تستطيع أن تُخرِج الإنسان عن جادة الصواب، لأنها زهرة لا ترحم، وقد أطلق عليها الإغريق القدماء اسم: (Orchis)، وهي تعني: (الخصية)، لأن درناتها تنمو تحت الأرض بطريقة متكورة. كما أن النحلة إذا وقعت عليها؛ تكون أسيرة لأوراقها التي تطبق عليها وتطوقها، ولا تتركها إلا بعد ساعة كاملة، وإذا خرجت النحلة منها؛ لا تذهب إلى أي زهرة أخرى، وأكثر النحلات بعد أن تخرج من أَسْرها، تقع مغشيا عليها، وأجود أنواع العسل هو ما كانت حصيلته من أريجها، حيث يلذع اللسان، ويذهب بالعقل، ويعصر القلب عصرا.

بعد تلك السهرة والمحاضرة، لمعت في ذهني المبدع فكرة محل الزهور الذي حكيت لكم عنه، معتقدا أنني سوف أبدأ مسيرة الألف ميل في طريق النجاح بزهرة واحدة من زهور (الأوركيديا)، وهذا ما حصل بعد ذلك مع تلك الزهرة الرائعة الشريرة، حيث أُغلق المحل وماتت الزهور، واستأجره فيما بعد بائع (للشاورما)، ما زال يعمل حتى اليوم، وذلك دلالة على نجاحه، وأذهب إليه بين الحين والآخر لتناول (ساندوتش)، (على الواقف)، فيعطيني طلبي وهو يضحك قائلا: laquo;هل تريده ملفوفا بورق الورد، أم معطرا بالقرنفل؟!raquo;.