حسن مدن

رغم أن الصورة تبدو محايدة أو تدعي، إلا أنها في الحقيقة ليست كذلك، حيث يجري اختيار مفرداتها بعناية فائقة، وفي علاقتها بمجموعة الصور التي تبث في وقت معين، أو في إطار برنامج أو مسلسل أو إعلان، فإنها تقدم إيحاء محدداً، قد يصل في بعض الحالات حد الاستهزاء بالرموز الدينية أو الثقافية أو التاريخية لهذا الشعب أو ذاك، وأحياناً توظيف هذه الرموز بشكل كاريكاتيري يخدم الهدف الذي يتوخاه الإعلام.

إن الدول الصانعة للإعلام المتطور والمصدرة لفيض الصور والرموز والإشارات إلى أبعد مناطق العالم ترمي في جانب أساسي من أهدافها إلى تحويل المجتمعات كلها إلى مجتمعات تستهلك عبر تصريف الفائض من السلع التي تنتج في عصر يقوم على الوفرة لا على الندرة.

وبرأي أحد أبرز مفكري ما بعد الحداثة، البريطاني جيمسون، فإن القيمة الاقتصادية والبنى المادية تتحولان إلى قيم ثقافية، عن طريق تعميم القيم الاستهلاكية، وما يتطلبه هذا التعميم من قدرات تواصلية إعلامية وثقافية هائلة.

من هنا تستمد تسمية المجتمع الإعلامي مشروعيتها وواقعيتها، ويشمل هذا تلك الحقول الموجهة للعالم الروحي للإنسان، كالفن مثلاً الذي سيجري النظر إلى وظائفه التربوية والروحية باستخفاف واستهجان، وسيجري التأكيد على المتعة بالإعلام والإعلان، حيث سيصبح هذا الأخير علماً قائماً بذاته، يتطلب مهارات خاصة وحذاقة مختلفة عن تلك التي يملكها الحانوتي البسيط الذي كان يتعامل معك كفرد عبر إقناعك بشتى الوسائل بجودة بضاعته وبكون سعرها مناسباً،

نقطة النقاش الرئيسية للإعلان الحديث هي أنه عام وللجميع، إنه يخطابنا جميعاً عبر استخدامه صيغة الجمع، فيما كان البائع التقليدي يخاطبنا كذوات فردية مستقلة. وهنا أيضاً تبرز الصورة المبهرة، الخاطفة للبصر، وسيلة فعالة في تكوين الانطباع أو الميل العاطفي السريع، خاصة الصورة التلفزيونية التي هي قرينة المدة القصيرة، بل اللحظة الخاطفة.

ذلك ما جعل ريجيس دوبريه يقول مرة إن من ldquo;يملك الصورة يملك البلادrdquo; في إشارة إلى أن الصورة في هذا العصر الذي هو عصرها، إنما تشكل رافعة الإعلام في التأثير في الجمهور الواسع، عبر التدفق الهائل للصور والتي تزيد مرات على حاجتنا للاستهلاك البصري، تساوقاً مع مرمى إعلام اليوم في تشكيل القناعات الأساسية للجمهور عبر وسائل تبدأ من تسويق المعلومة إلى الإبهار في طريقة تقديمها.