قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مأمون فندي


لماذا يسعى فنانونا وأدباؤنا وعلماؤنا بحثا عن الجوائز العالمية مهما كان صغر قيمتها، بينما عندنا مئات الجوائز ملقاة على قارعة الطريق في الأدب والسينما، والعلوم الاجتماعية، والعلوم البحتة، وجوائز فرعية في القصة والشعر وغيرهما؟ ببساطة لأن جوائزنا غير محترمة، لأننا نعرف أنها خالية من الموضوعية، ومفرغة من المعايير من حيث الاختيار والتحكيم، فهي كما قال لي أديب نابه laquo;نوع من المكافأة للأصدقاء. كل واحد وشلته لديهم جائزة يمنحونها لأصدقائهمraquo;. فالموضوع ليس جوائز تنبثق من نظرة موضوعية لتميز الأعمال الأدبية أو الفنية أو حتى العلمية، بل هي مكافأة لأشخاص، والمعيار الوحيد للحصول على جائزة في العالم العربي هو: هل يحبك أصحاب الجائزة أم لا؟ ربما يكون هذا حكما جائرا من صاحبي، فهناك جائزة أو جائزتان في العالم العربي يمكن أن نقول عنهما إنهما من الجوائز الموضوعية. ولكن تبقى هناك ملحوظات أساسية قد يستفيد منها أصحاب الجوائز لدرء الشبهات عن جوائزهم.

بداية تبدو معظم الجوائز المرتبطة بأسماء أشخاص أنها نوع من الدعاية للشخص صاحب الجائزة، وليس لتشجيع الفن أو العلم أو كليهما معا. وما يجعل هذه الشبهات قائمة هو أن معظم المؤسسات العربية المانحة للجوائز تفتقد المصداقية، بداية من مجلس الأمناء إلى لجان التحكيم. أنا شخصيا أعرف أفرادا موجودين على قمة مجلس أمناء أكثر من جائزة في الصحافة والأدب والعلوم الاجتماعية، رغم أن هؤلاء الأشخاص، وبالمقاييس المحترمة في العالم الغربي، لا يرتقي تاريخهم المهني لوجودهم في مجلس أمناء ولو جائزة محلية داخل الدولة الواحدة. بالطبع هناك في الغرب من يجلسون في مجالس الأمناء بأموالهم، بمعنى أن أحد المتبرعين بأكثر من مليون دولار قد يختاره المجلس لكي يكون عضوا في مجلس الأمناء، ولكن ذلك لا يكون على حساب الموضوعية التي تجعل الجائزة محل ثقة واحترام.

ثانيا، إذا أخذنا مثالا، جائزة الصحافة في دبي أو في مصر أو غيرهما، وقرأنا الإعلان عن الجائزة، نجد أن الإعلان نفسه يقول إن هناك مثالب فيها. فالإعلان يقول إن على من يرغب أن يرشح نفسه للجائزة أن يتقدم بأعماله للجنة الجائزة في الموعد الفلاني. لا يوجد كاتب أو صحافي محترم يحاول أن يروج لنفسه ويتقدم بأعماله إلى جائزة، فهذا سلوك مشين ومهين. لجنة الجائزة أو الصحف ذاتها تتقدم بأحسن ما لديها من كتاب وصحافيين من دون علم الكتاب أو الصحافيين، ليفاجأ الكاتب أو الصحافي في النهاية بأنه قد حصل على الجائزة. في العالم العربي لا توجد مفاجآت. فالجوائز هي مكافأة نهاية خدمة، أو نوع من الاعتراف بما هو موجود، كحصول كاتب صحافي مصري مثلا على جائزتين في العام ذاته، من دبي ومن الكويت، وظني أن صاحبنا لا يحتاج إلى أي منهما الآن، فهو كاتب معروف منذ سنين، كنت أقرأ له وأنا طالب في الثانوية العامة، أي قبل ثلاثين عاما مضت، وهو رجل سبعيني، فإذا ما منحنا الجوائز اليوم لمن هم في السبعين من العمر، فمتى سنمنح من هم شارفوا على الخمسين والستين من العمر؟ قبل دخول القبر بأيام، مثلا. ولم أعرف من الجائزتين حيثيات الحصول على أي منهما. هل هي جائزة على عمل معين، أم أنها جائزة على مجمل أعماله، أم أن أحدا قال لأصحاب الجائزة إن فلانا هو كاتب متميز، وظلم ولم يمنح جائزة طوال عمره، فشفقة به علينا أن نمنحه الجائزة هذا العام؟ إيه الحكاية؟ هل هي جائزة تميز، أم شفقة، أم زكاوة، أم إهانة؟ لا أظن أن جائزة بهذه المعايير تفرّح من يحصل عليها.

جوائز السينما والمسرح أيضا التي تمنحها دول مع كل الاحترام لا تنتج سينما ولا مسرحا. جائزة السينما والمسرح في laquo;هوليوودraquo; أو laquo;فينيسياraquo; أو laquo;كانraquo; أو حتى في الهند في حالة laquo;بوليوودraquo;، هي جوائز محترمة لها مصداقية لأن مانحيها يفهمون في هذا الفن ويعدون من أفضل منتجيه، أما أن يحصل فنان على جائزة السينما من دبي أو من الكويت مثلا، مع كل التقدير، فهذا لا يعني شيئا. لأن القائمين على هذه الجائزة في وزارة الثقافة سيطلبون من أحد أصدقائهم في مصر أو لبنان أن يرشح لهم لجنة تحكيم ممن يعرفونهم، فيفكر صاحبنا في لجنة التحكيم وما لها من مميزات سفر وإقامة ومكافآت فيضع لجنة من أصدقائه لا تعكس معرفة مجملة بالفن المراد تقييمه، مجرد مكافأة للأصدقاء.

لا أدعي خبرة في الجوائز العربية، ولكنني عضو في لجنة تحكيم في واحدة من الجوائز الغربية المهمة، ولا أعرف بقية أعضاء التحكيم. كما أنني عضو في ترشيحات واحدة من جوائز العلوم الاجتماعية التي كنت أتمنى أن أحصل عليها، ولكن بما أنني عضو لجنة ترشيحات، لا يحق لي أن أكون من ضمن المرشحين، وفي كلتا الحالتين لا أعرف من زملائي في هذه اللجان، لأنها لجان سرية، وهنا تكون الموضوعية. أعضاء اللجنة يرسلون بتقاريرهم، ولجنة الجائزة تقرر بناء على هذه التقارير التي لا يعرف أصحابها بعضهم البعض. هذه هي الجوائز التي تساوي اسمها وقيمتها، أما جوائز الشللية، فمهما كانت قيمتها فتترك في قلب الحاصل عليها فراغا. قد تملأ جيبه، ولكنها لا تملأ قلبه، ببساطة لأنها لا تعكس أي معايير تدعو إلى الاحترام.

أضرب مثلا لهذا الفراغ بالشاعر السوري المعروف والمتميز، بلا شك، أدونيس، فظني أنه قد حصل على العديد من الجوائز العربية، ولكنه لا يزال يبحث عن laquo;نوبلraquo;، ليس لأن laquo;نوبلraquo; مغرية ماليا فقط، ولكن لأنها محط احترام العالم كله لما فيها من انضباط في المعايير. جماعتنا ممن لم يفوزوا بها يرونها جائزة مسيّسة، ولكن رأيهم لا يؤخر ولا يقدم، لأن نوبل ستظل إلى الأبد الجائزة العالمية الأولى التي يسعى إليها كل من أراد احتراما في علم من العلوم.

بكل أسف لدينا العديد من الجوائز التي تمنح أموالا كثيرة، لكنها لا تحظى بأي احترام نتيجة لغياب المعايير الحاكمة، حتى جائزة البوكر البريطانية، فقدت معناها عندما تحولت إلى جائزة عربية، وما الفضيحة الأخيرة إلا مثل صارخ لما أتحدث عنه.

الحل ليس في إلغاء هذه الجوائز، ولكن في تجميع أموالها في ثلاث جوائز عربية محترمة، في العلوم وفي الآداب وفي الفنون. جائزة يترك أصحابها laquo;العيش لخبازيهraquo;، لا لموظف سابق في حكومة من الحكومات، ولا لأصدقاء أمير أو شيخ أو رئيس، لأن في ذلك فسادا وإفسادا، هذا إن كانت نية الأمراء والشيوخ والرؤساء هي تشجيع الإبداع، لا مكافأة الموالين والأصدقاء. جوائزنا، بكل أمانة لا تقترب من أي قيمة عالمية، مهما ادعى أصحابها، وليدافع كلٌ عن جائزته. لكن المشكلة وبكل صدق هي غياب المعايير التي تحكم عمليات الاختيار في كل العمليات في عالمنا العربي، ولا داعي أن نكذب على أنفسنا، ونجمل في جوائز فاقدة للمعنى، وبالتالي كما يقول المصريون laquo;زي قِلّتهاraquo;.