قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مرح البقاعي

سألني أحد المستشرقين الأميركيين المتحذلقين من المتابعين للحركات الإسلامية قال: laquo;علمت أنك درّست مادة الإسلام المعاصر في قسم الدراسات المستمرة في جامعة جورج تاون، فأرجو أن تزيديني علما -أنا الذي لا علم لي- هل هناك إسلام معاصر وآخر غير معاصر؟!raquo;. أجبته بروّية وإسهاب أكاديميّ: laquo;لا، لا يوجد إسلامان، هو إسلام واحد، وقرآن واحد. ولكن هناك زمنان، لا بل أزمنة ممتدة في التاريخ الإسلامي قديمه وحديثهraquo;. وتابعت: laquo;هذه المادة التي قمت باستحداثها وكتابة محاضراتها للجامعة، تعتمد على القراءة الزمنية والمكانية للنص -بحكم المتغيرات التي تطرأ على تأويلات النص عبر العصور- ووفق اتساع رقعة انتشار الإسلام في العالم؛ أعني قراءة النص الديني (الإسلامي) في ظل شَرطيّ الجغرافيا والعصر في آنraquo;.
أعادني هذا السؤال laquo;المغرضraquo; إلى أوراقي التي استفضت فيها بهذا الشأن، وأردت أن أطلع القراء على بعض من رؤيتي لحركة التجديد الإسلامي المبكّر، ما له وما عليه؛ وكذا ما آل إليه الاجتهاد المجدِّد اليوم من انحسار وانهدامية.
فمن نافل القول إن الأحكام الشرعية كانت قد اشتُقّت من القراءة الفقهية للنص الديني في القرآن والسنّة، وكانت مهمة الاشتقاق هذه واقعة على عاتق علماء الاجتهاد، قبل أن يتوقف العمل الاجتهادي في النص الإسلامي، إثر رحيل الأئمة الأربعة في القرن الرابع الهجري. وقد واكب الفعلَ الاجتهادي فعلٌ موازٍ في التفسير/ التأويل للقرآن وللحديث النبوي، الذي كان منه ما يقرأ باطن النص وما ورائياته، ما أسهم في التأسيس لحركة دينية في الإسلام، هي وحدها القابضة على البعد الروحي اللا أرضي في اتصال الإنسان بخالقه، ألا وهي طريقة جماعة المتصوّفة. وكلا النهجين، التأويلي والاجتهادي، يعتمدان على المعرفة والتجديد في قراءة النص الديني أولا. فالاجتهاد يعتمد على المعارف الفقهية والشرعية في استنباط الأحكام والأصول الدينية، أما التأويل، فيعتمد على الكشف المعرفي الذي عادة ما يرتبط بالإبداع الحسي الفردي في تقصي الحقائق الدينية/ الإلهية، ما هو دنيوي بشري ومحسوس.
ظهر التأويل مبكّرا في الإسلام الأول بين الجماعات الإسلامية بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت أولى إشاراته موقف الخليفة الأول أبي بكر الصديق من مانعي الزكاة، فرأى بعضهم عدم محاربتهم، وكان على رأسهم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، والخليفة الرابع علي بن أبي طالب، بينما تفرّد الخليفة الأول برأيه، إذ رأى أن حربهم هي في مقام laquo;التأويلraquo; السليم. وعلى الرغم من أن القرآن حض على التأويل في قول الله تعالى في سورة يوسف (الآية 101) laquo;ربي قد آتيتني من المُلك وعلّمتني من تأويل الأحاديثraquo;، فإن المتصوفة تعرّضوا لحرب تصفية عمياء من رجال الدين المسخَّرين لدى أصحاب الأمر، وأرباب بلاط الحكم، بل وصل الأمر بهم إلى التآمر مع الخلفاء لتصفية علمائهم، كما فعلوا بالسهروردي، إذ دفعوا الناصر صلاح الدين الأيوبي إلى قتله، وكذا تآمروا على محي الدين بن عربي في مصر، وحاولوا قتله، لولا أن ساعده الشيخ البجائي على الهرب، ولا ننسى مصير الحلاج المشهور، وعبدالحق بن سبعين، حين دسوا له السم بتحريض من الملك المظفر. والتاريخ زاخر بعداء الفقهاء للمتصوفة، القدامى منهم والمحدَثين.
ولأن النص لا يحيا إلا في ظل التأويل، فقد ظهرت في القرن الفائت حركات إسلامية فردانية عديدة، تبنّت قراءة جديدة للنص القرآني. كما ظهر مفكرون أصحاب وجهات نظر مغايرة للمتعارف عليه في التراث الإسلامي. ولعل تاريخ هذه الحركات الفكرية المجدِّدة، قد استهله الإمام محمد عبده، الذي قاد هجمة شرسة على مؤسسة الدين الرسمية في الأزهر.. قال في أثنائها أنه ظل عشرة أعوام ينظف ذاكرته من تقاليده الجامدة.
ولعل هذه القطيعة الفقهية بين شيخ أزهري، والأزهر، ترجع إلى تأويلاته laquo;الحداثويةraquo; التي لاقت اعتراضا شرسا من أصحاب العمائم. يقاسم الشيخ محمد عبده ريادته الدكتور طه حسين الذي أحدث ثورة في الفكر الديني، ولعل أبرز مظاهر ثورته كتابه laquo;في الشعر الجاهليraquo;، الذي رفض فيه ما نُحِل للشعراء الجاهليين من أشعار على أيدي المفسرين، وكتّاب السيرة. ونذكر أيضا المفكر محمد عمارة، الذي تأثر بأفكار المعتزلة، وحقق لهم العديد من الكتب اللافتة، من أبرزها كتاب laquo;التراث في ضوء العقلraquo;، والمفكر علي حرب الذي تناول أزمة الحداثة والفكر الإسلامي، والكاتبة فاطمة المرنيسي ذات المبضع الإصلاحي الذي لا يلين. ولن نغفل هنا المفكر محمود محمد طه الذي تأتي أهمية فكره من أنه الوحيد من دعاة التجديد والتنوير، الذي أسبغ على أفكاره صفة التنظيمية، فأسّس جماعة laquo;الإخوان الجمهوريونraquo; التي انتشرت في السودان منذ منتصف القرن الماضي، وأودت به -أسفاً- إلى حبل المشنقة، إذ حكم عليه بالإعدام، ونفّذ الحكم في تاريخ 18 يناير 1985 في عهد الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري.
هكذا، ومع غلق باب الاجتهاد وملاحقة أصحاب التأويل والتفسير، توقفت القراءات التي تجاري وتخاطر العصر، وأصبحت الساحة خالية للسلطات السياسية لتتحالف مع أبواق راديكالية وسلفية، من أجل إحكام القبضة على السلطة، من خلال استحداث جناح سلفي غيبوي من رجال الدين، وأصحاب الفتاوى الجاهزة التي تحيك الفتاوى والأحكام بمقاس مصالح السلطة الحليفة.
وهكذا تقزّم الاجتهاد الفقهي على يد علماء المسلمين، وتحوّل إلى مجرد دكاكين للإفتاء، تبث الفرقة والجهل، وتثير الضغائن وتعنى بالصغائر، وتحض على العنف والتعنيف، وتكرّس التبعية لأصحاب العمائم، مهما تضاءل شأنهم العلمي والفقهي والديني.
لقد سقط الاجتهاد اليوم في أيدي laquo;قناّصةraquo; الفرص التعبوية في الخطاب الإسلامي، وصار هؤلاء القناصة نجوم فضائيات! فهم من يحدد فكر الشارع العربي الإسلامي، ويرسمه رسماً نابذا ومغرضا!