توجان فيصل

.. منذ سنوات عديدة سابقة للخلاف الذي نشب بين السلطة الفلسطينية وحماس، ومصر تصر على الانفراد بما تسميه وساطة تقوم بها نيابة عن الفلسطينيين، مرة عند أمريكا ومرارا عند إسرائيل، بخاصة بعد رحيل عرفات.

فعرفات في الشأن الفلسطيني كان الوضوء الذي إن حضر بطل التيمم بغيره. وعرفات، حتى بعد أن لم يعد كعكة صلبة نتيجة تورطه في اوسلو، أصبح كما نقول بالعامية quot;اللقمة العالقة في الزورquot; (أي الحلق)، صحيح انه غير قادر على أن يخرج منه ولكن لا أحد قادر بالمقابل على أن ينزله في بطن إسرائيل، فجرى استئصاله غيلة.

وعادت مصر لتطالب بالانفراد بما تسميه وساطة مع أمريكا وإسرائيل، مع أن أبو مازن لا يحتاج لهذه الوساطة كونه جيء به أمريكيا وإسرائيليا لترتيب تفاصيل أوسلو بعيدا عن عرفات، كما جرت محاولة صريحة لفرضه بالاسم كرئيس وزراء وفرض صلاحيات واسعة له.. وحين فشلوا في حشره في حلوق الفلسطينيين أخلوا له مكان عرفات. ففيم تلزم واسطة بين أبو مازن ومن جاؤوا به ودأبوا على quot; تقويته quot; لانتشاله من فشله المتكرر على أكثر من صعيد؟

وهذه التقوية هي تحديدا ما تتطوع له مصر، مقابل أخذ التوكيل، إسرائيليا وأمريكيا، بالانفراد بما اسمي وساطة مزدوجة بين الفلسطينيين وإسرائيل، ثم بين حماس والسلطة التي وفر انفصالهما فرصة جديدة لمصر لتسوّق ما لم تعد مؤهلة له، جملة وتفصيلا، من قيادة العالم العربي منفردة.

فقيادة مصر التاريخية للعالم العربي كانت لها مقوماتها في كل الحقب التي مثلت فيها بؤرة قوة منذ عهد الفراعنة ثم عبر حقب عدة. ثم عندما اختلفت المعطيات آلت تلك القيادة بسلاسة لدمشق في العصر الأموي ولبغداد في العصر العباسي.

وفي العصر الحديث آلت لمصر قيادة أتتها طوعا وباستحقاق نتيجة النهضة التي قادها محمد علي بما يشبه إدارة الظهر للباب العالي وquot;تمصيرquot; ولائه وانتمائه بحق، بما أدى لتعريب نتاج تلك النهضة، كون مصر والعروبة صنوان.

وحتى حين تراجعت القيادة السياسية لمصر في عهد ملوك ضعاف من سلالة محمد علي، بقيت لها القيادة الفكرية الثقافية التي حمل لواءها مفكرون وكتاب وفنانون ومبدعون في كل حقل من جيل عصر النهضة وورثتهم.

وفي عهد عبد الناصر توجت تلك القيادة سياسيا في نزول الجموع العربية إلى الشارع، رغما عن أنظمتهم وفي مواجهة قوى أمنها القمعية في الأغلب، لتنصب ناصر زعيما منتخبا بإرادة شعبية ليست حرة فقط، بل ومتحدية أيضا.

والسبب أن مصر عبد الناصر حملت الهم العربي بكل أشكاله كما يجدر بالشقيقة الكبرى، بل وحملت الهم الأفريقي فعززت قيادتها لأفريقيا، وأيضا وجدت مكانة لها في قيادة مجموعة عدم الانحياز الدولية.. فأين مصر ما بعد ناصر من هذا كله، بل أين هي تحديدا مما يجري لغزة التي كانت تعامل بتفضيل زمن ناصر، دون أن يتوقف أحد في مصر للحظة ليقول إنها تشكل عبئا على مصر التي كانت لديها حينها أيضا أزمات سكانية ومشاكل معيشية، ناهيك عن أن يقول أنها تهدد quot; الأمن القوميquot; لمصر.. إلا أن يكون حجم مصر القومي تقلص لما دون حجمها الجغرافي كقطر بدءا باستثناء سيناء، وهو ما حصل فعلا عند توقيعها كامب ديفيد، وأن يكون تقلص مفهوم سيادتها لتصبح سيادة بينية ينازع فيها الحكم شعبه على سلطاته وحقوقه، وهو ما حصل فعلا في أكثر من شأن بدءا بالانتخابات الرئاسية والنيابية حد منع ترشح من يمثلون الشعب فعلا، مرورا بانتخابات نادي القضاة واستقلاله وانتخابات النقابات وحرية الصحافة, وانتهاء بكل ما يسمى استثمارا في بلد يزعم انه طرح الاشتراكية جانبا لصالح الاقتصاد الحر!!

معركة الحكم في مصر باتت الآن في مواجهة شعبه، وفي هذا الإطار يمكن أن نفهم (وهو غير أن نقدر أو نحترم) تحالفه مع أمريكا وحتى مع إسرائيل، كما نفهم تحالف أنظمة كل الدويلات التي اقتطعت بدعم غربي لحكم بعينه.. ونفهم أن تختصر هموم مثل هذه الأنظمة بتوريث الحكم في إقطاعياتها تلك.

ولكن ما لا نفهمه هو أن يسعى من أعلن أن قضاياه باتت محلية تتلخص في تنازع بيني للسلطة لصالح التوريث، لوراثة زعامة عربية قامت تاريخيا بمقومات مختلفة تماما. فذلك كمحاولة أكل الكعكة والاحتفاظ بها في آن .. مع ملاحظة حتمية تفرض quot; الحجم quot; هنا، فالكعكة التي يمكن لفرد أو أسرة أو فئة أو حتى حزب حاكم أن يأكلها منفردا بأمان هي بتعريفها كعكة صغيرة، أو يصاب الآكلون بتخمة قاتلة سريعا.

محمد علي ركز على مصر أولا، ولكن ليبنيها وينميها، فكبرت وكبر بها، ودان لها محيطها طوعا ثقافيا وفكريا إذ باتت نموذجا يحتذى ومنهلا يرشف من فيض إبداعه. ومصر عبد الناصر زادت على إكمال بناء وتنمية الداخل المصري بأن قدمت إمكاناتها للأشقاء الأصغر، كل حسب حاجته كما يفعل رب الأسرة.. بدءا بالعلم المجاني الذي كان متوفرا تنافسيا لكل فلسطيني كما هو لكل مصري، وبرسوم زهيدة لكل عربي.. وانتهاء بتقديم العون النضالي من سلاح إلى إيواء المناضلين وصولا لتمثيلهم وتنبني قضاياهم في المنابر الإقليمية والدولية المعلنة وفي الغرف المغلقة وأكثر المسارب سرية.. لا تستأثر بسلطة تأتي من لي ذراع كسيرة بل تقدم الذراع لتسند الضعيف.. ولا تسد معبرا ونفقا في وجه محاصر أو مطارد، بل تحفر أنفاقا وتفتح معابر أهم دون طلب فضل بحيث لم نعرف عن الكثير منها إلا فيما بعد.

تلك مصر التي كان يقصدها المكلومون والحالمون في آن، وكانت أبوابها مفتوحة، بل انها كانت مثل quot;روماquot; بالنسبة للعرب، كل الطرق تؤدي إليها. وهي غير مصر التي تحيط نفسها بسور فولاذي، وأسوار أخرى عدة داخلية، والتي ترد خيرة الناس عن مداخلها، من مفكرين وقادة رأي وفنانين وحتى مجرد فاعلي خير ينضمون لقوافل إنقاذ تحمل معونات إنسانية .. فمداخل مصر اقتبست نموذج المعابر الإسرائيلية في الضفة، ولكن بينها وبين العرب. فخف الحجيج التاريخي إليها حتما.. والعجيب أنها تغضب لكونها لم تعد القِبلة القومية!!

خيرا فعلت حماس بالذهاب للسعودية التي سبق ورعت اتفاق مكة الذي لم يقل أحد حينها أنه مجحف بحق أي طرف أو فيه ما يلغّم الوحدة الوطنية.. ونظن أن السعودية التي خرجت مؤخرا من متاهات ما أسمي بمحور الاعتدال ونفضت عن نفسها الكثير من أوزاره، قادرة على أن تكون شقيقة كبرى تنجز مصالحة فلسطينية، بل وإنقاذ فلسطيني سيعينها عليه عقلاء الأمة الذين حارب النظام في مصر جهودهم لينفردquot; بصيت الزعامةquot; علّه يعينه في اكتساب حلفاء غربيين يدعمون حربه الداخلية التي انكمشت من التوريث إلى تمديد يصطدم بعوامل بيولوجية هذه المرة.

الفلسطينيون يكفيهم ما فيهم، ولا حاجة بهم لحمل معارك بينية إضافية أصغر بكثير مما لديهم. وبالتالي لا حاجة للعودة إلى القاهرة للتوقيع، ففي السعودية أقلام، ومكة تظل قبلة، والحج جائز لأكثر من مرة.. وإذا كان للرياض معاركها الخاصة أيضا، فهي من النوع الذي لا يكسب إلا عربيا وإقليما، ودمشق خير مثال