قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هاشم صالح

في بداية هذا العام الجديد والعقد الجديد من القرن الحادي والعشرين، لا يسعني إلا أن أطرح بعض التساؤلات، محاولا استكناه أسرار المستقبل بقدر الإمكان. هل يمكن للمثقف أن يعيش دون منظور تاريخي أو أفق واسع أمامه؟ هل يمكن أن يكتب ويشتغل ويخطط دون فلسفة معينة للتاريخ؟ وهنا يبدو لي أن المخطط أصبح واضحا بالنسبة إلينا نحن العرب، لقد دخلنا فيما يدعوه الفلاسفة والعلماء بـlaquo;المصهر التاريخيraquo;، الذي سيؤدي إلى الولادة الثانية. لقد دخلنا في مرحلة العبور الحضاري الكبير، وهي مرحلة قلقة، مترجرجة، مليئة بالمخاضات، والاختلاجات الهائجة. وهذا ما يحصل الآن، على هيئة حروب أهلية ومذهبية، ضمنية أو صريحة، من أقصى اليمن إلى أقصى العراق، مرورا بالأقطار كلها تقريبا. ولكن لا ينبغي أن نخاف من هذه المرحلة المضطربة كثيرا، فهي عبارة عن مرحلة انتقالية إجبارية لا مفر منها، لكي تتحقق الولادة الجديدة لاحقا. العرب قادمون دون شك، وإذا لم يكن اليوم أو غدا فحتما بعد غد. هذه هي قناعتي، هذه هي فلسفة التاريخ التي أنطلق منها لكي أفهم ما يجري. هناك عملية غربلة شاسعة واسعة سوف تحصل في العقود القادمة من السنين. وعلى آثارها سوف ينهار العالم القديم، ويولد على أنقاضه العالم الجديد. لكن كم من الفواجع سوف تحصل قبل أن يتحقق ذلك؟ كم من الآلام والدماء والدموع؟ كم من الثمن الباهظ المدفوع؟!

عندما أقرأ الكتب الاستراتيجية، التي تتحدث عن الدول المنبثقة الصاعدة كالصين والهند والبرازيل، وحتى كوريا الجنوبية وسواها، ولا أجد أي ذكر للعرب لا من قريب ولا من بعيد، أشعر ليس فقط بالحزن، وإنما بالخوف أيضا. ولكني أعتقد أن هذه الحالة مؤقتة، وسوف تزول عندما تحصل النهضة المنشودة للعرب. إذا كانت القوى المحافظة لا تزال هي المسيطرة علينا حتى الآن، وفي الأحزاب والتيارات الفكرية كلها، فإن ذلك لا يعني أن قوى الإصلاح والتجديد قد خسرت المعركة إلى الأبد، فعاجلا أم آجلا سوف تنتصر. إذا كان الجميع يتقوقعون على طوائفهم ومذاهبهم وعشائرهم خوفا من المستقبل، فإن ذلك لن يدوم. حركة التفكك، التي يشهدها العالم العربي حاليا، هي مرحلة مؤقتة سوف تزول بعد أن تحصل الولادة الثانية للعرب. وبالتالي، فلا ينبغي أن يشمت أعداؤهم بهم كثيرا. صحيح أن وضعهم ليس مفرحا ولا مشجعا جدا حاليا، ولكن الإمكانات الضمنية التي ينطوون عليها تخيف الكثيرين.

العرب فقدوا المبادرة التاريخية بعد سقوط بغداد، والأندلس، والحضارة الكلاسيكية الرائعة. وقد حاولوا أن ينهضوا من جديد، ويحققوا الولادة الحضارية الثانية في عصر النهضة إبان القرن التاسع عشر. ولكن النهضة أجهضت لأسباب داخلية وخارجية. بعد إغلاق العصر الليبرالي العربي، عصر المفكرين النقديين الأحرار من أمثال: أحمد أمين، والعقاد، وطه حسين، والمازني، والزيات، وسلامة موسى، وقاسم أمين، وشبلي شميل، ويعقوب صروف، وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة وسواهم، دخلنا في عصر الآيديولوجيا الانفعالية والشعارات الحامية. واضطررنا عندئذ إلى التضحية بالمشروع الحضاري من أجل مقاومة الهجمة الخارجية التي فاجأتنا وزعزعتنا. التنوير العربي الذي كان منطلقا توقف فورا، عندئذ حل المثقف الأصولي محل طه حسين الذي فقد مصداقيته في نظر الجماهير الشعبية. وعندئذ منع نقد الانغلاقات التراثية التي تعرقل النهوض الحضاري والولادة الثانية. المرض الداخلي ظل كما هو، لا أحد يتجرأ على الاقتراب منه. ولكننا نعلم أن الولادة الثانية لن تحصل إلا بعد معالجته بترسباته المتراكمة كلها معالجة راديكالية. فالدودة في الثمرة، والمرض في الداخل.

يخيل إلي أحيانا أن وضعنا، نحن العرب، يشبه وضع اليونان. كلاهما له ماض عريق وحاضر هزيل. كلاهما صغير بالقياس إلى عصر الآباء والأجداد. كلاهما يفتخر بماضيه ويخجل من حاضره. فمن الواضح أن الحضارة اليونانية قبل ألفين وخمسمائة سنة كانت تشع على العالم أيام بيركليس، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو إلخ.. كانت أستاذة العالم علما، وفلسفة، وديمقراطية، وحضارة، ولكنها الآن بلد صغير جدا، بالقياس إلى ماضيه الكبير. وربما لكانت قد بقيت ديكتاتورية متخلفة مثلنا لولا أن الاتحاد الأوروبي ضمها إليه، وانتشلها من وهدتها وتخبطها، وأنقذها من حكم العسكر. ولكن اليونان معذورة، فهي عشرة ملايين فقط، ونحن ثلاثمائة مليون! ولكننا مثلها نفتخر، وبحق، بعصر الأمويين والعباسيين والفاطميين، والرشيد والمأمون وعبد الرحمن الثالث والمعز، ودمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة ومراكش وفاس.. ولكن أين هو حاضرنا؟

بل إن اليونان الصغيرة على تخلفها وضعف أهميتها، أصبحت أهم منا الآن وأكثر تقدما وتحضرا. فنسبة الأمية بالنسبة إلى النساء في العالم العربي تصل إلى 50%، وفي اليونان إلى 3%. عدد الكتب المترجمة لا يتجاوز 330 كتابا في السنة عندنا. في حين أن اليونان الصغيرة تترجم ثلاثة أضعاف هذا العدد. اقتصاد إسبانيا وحدها أغنى من اقتصادات الدول العربية كلها مجتمعة بما فيها دول البترول.. نقول ذلك على الرغم من أن عدد سكانها نصف عدد سكان مصر أو أكثر قليلا.. وإسبانيا لم تكن شيئا يذكر قبل ثلاثين سنة فقط، أيام فرانكو سيئ الذكر. وقل الأمر ذاته عن برتغال سالازار.. كلهم نهضوا وانتفضوا وانتصروا على أنفسهم، ما عدانا. هل نحن مصابون بعلة يعجز فلاسفة الأرض كلهم عن تشخيصها أو علاجها.