قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله إبراهيم

..اطلعت على مقالة قيمة كتبتها الروائية الألمانية quot;هرتا مولرquot; الحائزة جائزة نوبل في الآداب لعام 2009 بعنوان quot;اللغة أقوى وسيلة لخداع الناس في الأنظمة الديكتاتوريةquot;. والكاتبة المذكورة من أصول ألمانية عاشت في منطقة تعود لرومانيا، ثم هاجرت إلى ألمانيا في عام 1987 وكتبت أعمالها الأدبية باللغة الألمانية، وقبل ذلك كانت عاصرت الحقبة الاستبدادية في ظل النظام الشيوعي الروماني، حيث ينبغي على المرء أن يختلق لنفسه نوعين من ضروب الحياة، والأفكار، بل واللغة، ضرب معلن، وضرب سري، فيعيش في إطار ازدواجية دائمة، وذكرت في مقالتها أن الديكتاتورية تفرض على الناس لغة الخداع، والكذب، حينما تشجع لغة مجوفة تفتقر إلى المقاصد النبيلة quot;في عهد الديكتاتورية، كانت اللغة أبرز وسيلة لخداع الناس. والكذب عسير حين يلتزم المرء الصمت. ولذا، يبعث الصمت على الريبة. وبعثت لغة الديكتاتورية في نفسي الاشمئزاز. فالهوة كبيرة بين ما نسمع عن الازدهار وسعادة الشعب وبين ما نشهده بأم العين من انهيارquot;.

لا يمكن الجهر بالحقيقة في ظل الأنظمة الاستبدادية، سواء أكان الاستبداد دينيا أم سياسيا، ثم أنه لا يجوز الصمت، وتجاهل الأحداث، لأن ذلك مصدر شكّ وريبة، أي لا يسمح بالكلام الصادق ولا يقبل بالسكوت الحقيقي القائم على العزوف عن المشاركة في الخداع، وهذه من محن الاستبداد الشمولي الذي يعيد إنتاج الحياة على قاعدة من الخوف، فلا يحق لأحد بقول الحقّ في حدوده العامة، ولا يمكن له الصمت لأنه علامة على الاحتجاج والرفض، فما هو البديل المتاح للمرء بين الكلام والصمت؟.

اقترحت النظم الدكتاتورية حلا سحريا، وهو quot;ممارسة الخداعquot; فلأنه غير مسموح بقول ما يراه المرء صوابا، وغير متاح له التزام الصمت، فينبغي عليه اللجوء إلى الخداع، وهو التلوّن في الرأي، والموقف، وعدم الثبات، والمراوغة، والفساد، والإيغال في إظهار ما يخالف الحقيقة، وكتمان الحق، وطمسه، وكل ذلك يؤدي إلى تزييف الحقائق وإظهارها بغير ما هي عليه. وهذا ما تريده نظم الاستبداد كائنا ما كانت هوياتها الأيدلوجية والعرقية والدينية، فلا غرابة أن تلازم الحبسة، والتردد، والتوجس، كلام الأفراد الذين عاشوا في ظل الاستبداد، فقد فرض الخوف عليهم عجزا في المباشرة، والبداهة، فتقودهم عاداتهم اللغوية إلى قول ما يؤمنون به، فيلوذون بكلام مطنب يحمل في طياته رأيا مبهما لا سبيل لاستخلاص معنى واضح منه، فهو نوع من المواربة، وتجنب الإفصاح عن القصد، وأرجّح بأن الآداب القومية التي تعرضت لاستبداد شامل في حقبة معينة من حقب التاريخ غالبا ما تؤول إلى إنشاء مسهب تتعاقب فقراته بلا طائل، فلا تقول شيئا مهما، إنما تمارس الزيف بوساطة اللغة، وهي آداب ضحلة في مجملها تقوم على مبدأ التكاذب ولا تنطوي على رسالة أخلاقية، إنما تروّج لأيدلوجيات تمحو الخصوصيات الإنسانية، فتعجز عن التوغل في أعماق الإنسان، ولا تعبر عن التطلعات الكبرى، وهي بمجملها إعلانات فارغة عن قيم الاستبداد.

واللافت للنظر هو أن النظم الاستبدادية تدعم هذه الآداب، وتوفر لها سبل الانتشار، وتعدها جزءا من مشروعها في الحكم، والسيطرة. وبمقابل ذلك يتهم الصامتون بالمعارضة والعداء، فيكونون مصدر خطر، ذلك أن عدم المشاركة في التزييف أمر غير مقبول في ظل الاستبداد، وينتهي الأمر إلى مفارقة لا يمكن التوفيق بين أركانها، فلا يقبل الكلام، ولا يسمح بالصمت. وقد وصف quot;ابن خلدونquot; مآل المستبد والمجتمع الذي يحكمه بالصورة الآتية: إذا كان الحاكم قاهرا، فاحشا في العقوبات، ومنقبا عن عورات الناس، شملهم الخوف والذلّ، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة، فتخلّقوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم. وهذا هو حال الآداب في الحقب الاستبدادية حيث لا تقول شيئا، ويأخذ الفن طابعا هلاميا هو مزيج من الضخامة والقوة، فتغيب عنه المزايا الجمالية، ويصبح التركيز على الفخامة الفارغة من المعنى.

تشكل الأيدلوجية الشمولية قاعدة الاستبداد، وركيزة التوجيه الثقافي العام للأنظمة الدكتاتورية، وبمرور الوقت تضع تلك الأيدلوجية نفسها في مواجهة التشكيلات الأصلية للأبعاد الإنسانية، فتحول دون شيوع روح الابتكار، والتفكير الحر، فتمنع الاجتهادات التي لا تمتثل لأطرها، وتحظر القول الذي لا يناسب أهدافها، ولهذا تتأزم من الداخل، وتبدأ عراها بالتفكك لأنها لا تقرّ بالتطور، ولا تركّز على الجزء الكفء من الطبيعة الإنسانية وقدراتها، وقد مسخت مجتمعا بكامله وتركته حائرا، صامتا، وقد انسدت أمامه سبل الحياة، وضمرت استعداداته الإبداعية، وانفرط عقده الناظم، وتعرّض نظام التواصل فيه للتشويش، والارتباك، ولم يتهيأ لتقبل البدائل اعتقادا منه أنه سيظل إلى الأبد في نعيم الخوف الذي اعتاده، ورضخ له، في ظل الاستبداد. وينتهي الأمر بفوضى عارمة في العلاقات الاجتماعية، فتنهار الأنساق الكلية الناظمة للقيم؛ لأن الأيدلوجية الشمولية حالت دون أي تطلّع ثقافي مختلف، وعُرضتْ عبر الدعاية نجاة كاملة وأبدية للجميع.