قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ياسر سعيد حارب

عندما يشتكي لي أحد أبنائي عدم قدرته على فعل شيء ما، أقول له: laquo;فكّر قليلاً ثم حاولraquo;، وفي أحيانٍ كثيرة يعودون ليشتكوا من فشل محاولاتهم، فأسأل أحدهم: laquo;هل فكّرت؟raquo;.

لا أدّعي خبرة طويلة في مجال التربية، ولكن يمكنني أن أدّعي خبرة جيدة في مجال التفكير، فلقد تعلّمت في السنوات العشر الأخيرة أهمية التفكير وتقنياته، ومدى حاجتنا الماسة إليه. أخذت أفكّر في كل شيء، وأستمع إلى كل الآراء التي أستطيع الوصول إليها، حتى وإن كانت قاسية، فلقد وضعتُ لي مهمة رئيسية في الحياة: وهي البحث عن الحقيقة أينما كانت.

لم أشترط أن أجدها، ولكنني عاهدت نفسي على البحث عنها في كل شيء، وفي كل وقت. لا يختلف الناس على أن الحق مُطْلَق، ولكنهم أيضاً لا يتفّقون على أن الحقيقة أصبحت نسبية. فعندما نسمع من البعض أن الإسلام هو الدين الحق، نتّفق معهم، ولكن ماذا عن حقيقة فهمنا للإسلام؟

وماذا عن وعينا بالمعاني الحقيقية للنصوص المقدسة في الإسلام؟ وماذا عن قراءتنا وتمعننا في تاريخنا الإسلامي الذي غُيّب كثير من حقائقه لأغراض سياسية معيّنة؟ هل كل ما نعرفه عن ذلك حقيقي؟

نسمع كثيراً عن مصطلح laquo;شمولية الإسلامraquo; القائم على مزج التعاليم الدينية بالأمور الدنيوية، حيث يطرح بعض المفكرين الإسلام كأيديولوجية شاملة تقابل الأيديولوجيات الأخرى، كالشيوعية والرأسمالية وغيرهما، ويرفضون تماماً القول بأن هناك أمورا في الحياة تحتاج إلى متخصصين فيها، كالزراعة والصناعة والسياسة وغيرها، ويصرّون على أن الإسلام نظّمها متعللين ببعض الأحكام الشرعية مثل إعطاء الأجير أجره، وترك الربا، وغيرها من أحكام عامة.

إلا أن الإسلام لم يطرح حلولاً جذرية للمشكلات الصناعية أو الأزمات السياسية كما يحب البعض أن يروّج، ولذلك، فإن فكرة الشمولية هي في الواقع غطاء سياسي واجتماعي ينتهجه بعض الجماعات وبعض القادة الدينيين الذين يلتف حولهم ملايين المؤيدين في العالم الإسلامي، للسيطرة على عقول الناس وعلى مصائرهم، متناسين بذلك قوله صلى الله عليه وسلّم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم).

عندما نفكّر عميقاً في مفهوم أدلجة الإسلام، نجده يقف في وجه التنوير الفكري الساعي إلى الارتقاء بالمجتمعات والنهوض بأفرادها. فمؤدلجو الإسلام يرفضون التعددية الدينية، وفي أحيانٍ كثيرة التعددية العرقية أيضاً، ويرفضون الاستعانة بالعلوم الدنيوية في تسيير حياة البشر، ويعتقدون أن التمسّك بالتدين فقط هو الذي سيعيد للأمة مجدها. إلا أن التاريخ يقول لنا غير ذلك.

فعندما وصلت الأمة الإسلامية إلى أوج مجدها الحضاري في عهد الرشيد وابنه المأمون في بغداد، ثم في عهد عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم في الأندلس، لم يكن ذلك بسبب تمسّكها بالتدين، فمظاهر التدين في بداية الدولة الأموية وأيام عمر بن عبد العزيز، كانت أجلى للعيان من حقبة النهضة الإسلامية، إلا أن عهد الأمويين لم يشهد ذلك الحراك الفكري والاقتصادي والإبداعي الذي أنتجه العباسيون والأندلسيون!

لقد كان أحد الأسباب الرئيسية للنهضة هو التعددية الاجتماعية بكل أوجهها، وبناء الإنسان وما يرافقه من تنظيم اجتماعي واقتصادي، وإصدار القوانين والأنظمة وتعميم الممارسات الحضارية، وتأسيس البنية التحتية، ثم الانتظار بعض الوقت لينضج ذلك كلّه ويؤتي أكله على شكل إنتاج فكري وأدبي وصناعي واقتصادي وسياسي، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بlaquo;الحضارةraquo;.

لم يكن التدين على مر التاريخ أبداً مدعاة لقيام أي حضارة، لا يعني هذا أن عكس التدين يمكن أن يقيم حضارة، ولكن لم تقم الحضارة في جزيرة العرب التي نزل فيها الإسلام، وقامت في العراق وبلاد ما وراء النهر، ومصر، والأندلس وبلاد الشام.

وبالتالي فإن تهميش دور الفكر الإنساني المحض في تحقيق سعادة الإنسان والاستعاضة عنه بالتدين فقط، هو معادلة غير متّزنة، فالدين العظيم الذي أتى ليرتقي بالإنسان، لم يلغِ الممارسات البشرية الحضارية التي سبقته، بل أقرّها وأضاف إليها إطارا أخلاقيا، وعليه فإن الإنجاز الإنساني الذي اقتحم الفضاء، واكتشف أدوية جديدة، واخترع الكهرباء، لم يكن سببه التدين.

لقد سئمنا من العواطف، وسئمنا من النّقل، وسئمنا من الصفحات الصفراء التي لم يعد أحد يستطيع فكّ رموزها اللغوية، وعلينا أن نبدأ بالتساؤل والبحث عن الحقيقة، حتى وإن كانت أسئلتنا جريئة، وحتى وإن كانت الحقيقة مرّة.

تعالوا بنا نفكّر ساعة، ونتساءل ساعات عن بديهيّات ما تعلّمناه في المدارس والجامعات، ونبحث عن حقيقة الآراء التي نسمعها في الإذاعات والقنوات الفضائية كل يوم، وتعالوا بنا نعيد قراءة التاريخ بتجرّد تام وكأننا نقرأه لأوّل مرة، ومن دون غاية سوى الوصول إلى الحقيقة، وتعالوا أيضاً نقرأ النصوص الدينية لكي نفهمها بفطرتنا الإنسانية، لا كما يريدنا بعض الناس أن نفهمها.

وإذا قيل لنا إنه على المريض أن يراجع الطبيب، فسنقول لهم بأن مرضى اليوم أصبحوا أكثر معرفة بأوجاعهم، وبالأدوية التي تناسبهم، من مرضى الأمس البعيد.