قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الله الشايجي

في الوقت الذي شهد فيه العام 2009 تميزاً ونشاطاً مكثفين للكويت على الصعيد الخارجي، ذكّرنا بعصر الدبلوماسية الذهبية قبل عقود، استمر في المقابل المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي الداخلي على إيقاعه المحتقن، لا بل المشتعل والمحبط. وهذا ما سنعود إليه في مقالنا المقبل لنقارن بين الإنجازات المهمة على الصعيد الخارجي الذي يقابله استمرار النزف على الصعيد الداخلي.
من جهة أخرى، وعلى الرغم من تداعيات الأزمة المالية العالمية بكل أبعادها، فإنه من المتوقع أن تحقق الكويت فوائض مالية تتجاوز الـ 5 مليارات دينار للسنة المالية المنتهية في نهاية مارس المقبل. مع ذلك تبدو الكويت، وعلى الرغم من حديث الحكومة عن أن هذا العام سيكون عام المشاريع الكبرى التي ستصل في مجملها في السنوات المقبلة إلى مليارات الدنانير، وعلى الرغم كذلك من دعم وتمويل المشاريع التنموية في 104 دول في العالم عن طريق صندوق الكويت للتنمية الاقتصادية العربية، والتي قدم الصندوق خلالها مبلغ 4,2 مليارات دينار في الأعوام الثمانية والأربعين الماضية، في مفخرة كويتية هي الأولى في العالم.. على الرغم من ذلك كله، نرى البنى التحتية والخدمات في مجملها في تراجع وتردٍ وبحاجة إلى تطوير وتأهيل في مجالات الخدمات الصحية والتربوية والإسكانية والطرق وغيرها. حيث الانتظار الطويل للحصول على دور لإجراء العمليات الجراحية، هو الأصل، وليس الاستثناء، وحيث ينافس الوافدون الذين يصل تعدادهم إلى أكثر من ضعفي عدد المواطنين. وفي كل عام تزداد رقعة الوافدين على أرضنا، وتنكمش رقعتنا لدرجة أصبحنا أقل من ثلث سكان بلدنا في خط بياني تراجعي.
نساعد الآخرين وننسى أنفسنا، مما يُفسح المجال لنواب الأمة وكتّاب الصحف لتوجيه سهام النقد للحكومة، مطالبين إياها أن
لا تنسى مناطق الكويت والشعب الكويتي، بل ذهب البعض في جلد الذات والنقد اللاذع لتمني أن تكون مناطق سكنية في الكويت، مناطق ومدنا في تلك الدول.
أما أغرب ما يحدث في المشهد السياسي الكويتي دون غيره، فهو غياب البوصلة، وتمدد الكويت، وبخاصة في الآونة الأخيرة على صفيح ساخن، واستمرار غياب الأغلبية لدى الحكومة والمجلس، ما يبقي أجواء التأزيم والتوتر التي باتت من الصفات اللصيقة للديمقراطية والعمل السياسي الكويتي.
وأغرب ما تشهده الساحة الكويتية، هو laquo;الأغلبية المتذبذبةraquo; والتي تتوفر حيناً مع الحكومة، لتفقدها بعد أيام أو أسابيع، إذا ما كان اتجاه الريح لا يدفع بسفن هؤلاء النواب لإيصالهم إلى موانئ المصالح والتكسب السياسي. وهو ما حدث مؤخراً في التصويت على كتاب عدم التعاون مع رئيس الوزراء بالوقوف مع الحكومة، وفي التصويت بالنسبة نفسها ضد الحكومة في قانون إسقاط فوائد القروض الذي يكلف خزينة الدولة 1.8 مليار دينار، أو أكثر من 6 مليارات دينار بعد أسبوعين من التصويت على ترجيح كفة رئيس الوزراء بعدد 35 نائباً بالوقوف مع الحكومة.
ومن المفارقات أن نسبة التأرجح مع الحكومة وضد الحكومة وصلت إلى النسبة نفسها. أو 70 % من النواب، والعديد منهم صوتوا مع الحكومة في كتاب عدم التعاون، وضدها في قانون إسقاط فوائد القروض، بفارق أسبوعين للتصويتين. ما هذه المفارقة في السياسة الكويتية؟ وما هذا التقلب والتذبذب؟ ولذلك ستبقى الكويت تراوح في هذه الدائرة المفرغة مستمرة، وتنخر في عظامنا في تقلب مريب ومثير للجدل لكيفية تقلب مزاج ومواقف معظم النواب مع الحكومة وضدها في آن.. وهذا لا يحدث سوى في الكويت، حيث يكون النائب في صف الحكومة حيناً وفي صف المعارضة حيناً آخر، في غياب ديدن الاحتراف السياسي والنظام الحزبي بعد نصف قرن من الممارسة السياسية، والبرلمانية.
غياب النظام الحزبي وعدم ارتقاء العمل السياسي في الكويت، ونحن نقترب من اليوبيل الذهبي لتجربتنا البرلمانية لدرجة يغيب معها الانضباط، وحتى التنسيق والموقف المشترك، حول التصويت على القوانين، أو الاتفاق على موقف موحد لنواب ينتمون للكتلة الواحدة، والتجمع الواحد، هو أكثر ما يربك العمل السياسي الكويتي.
وما برز مؤخراً هو زيادة جرعة النقد والتهجم والتجريح بين النواب أنفسهم لبعضهم البعض. ومانشيتات الصحف وتغطيتها لجلسات مجلس الأمة واجتماعات اللجان والبرامج السياسية في الفضائيات الخاصة والمقابلات الشخصية للعديد من النواب تكشف المستور، وتفضح تردي الخطاب السياسي وسيل التهم والتقريع بين النواب أنفسهم، والذي تحول بعضهم إلى مدافعين عن الحكومة ومتصدين لزملائهم من النواب الناقدين للحكومة. وهكذا سادت الفوضى السياسية، وزادت درجة الغليان والاحتقان، وأصبح لدينا خمسون حزباً يمثلها النواب الخمسون المنتخبون. لقد حول التكسب السياسي والمصالح الشخصية مجلس الأمة إلى حلبة صراع تمنحهم الحكومة بين الحين والآخر السلاح، والأسباب لتسعير الحرب ضدها.
وللأسف لا تشير تطلعات العام الحالي، حسب المعطيات، إلى أي تفاؤل في العلاقة بين السلطتين. وأقصى ما يؤمل هو أن لا نذهب لصناديق الاقتراع مرة أخرى، ليصبح ذلك من طقوسنا السنوية. حيث نعيد إنتاج أزماتنا في حلقة مفرغة ترفض الانكسار. وهذا ما يزيد من مؤشر الإحباط والاحتقان في ظواهر وممارسات سياسية لا تحدث سوى في الكويت!