قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

غازي العريضي

ليس ثمة مبالغة في القول إن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إلى تركيا على رأس وفد وزاري هي من أهم زيارات رؤساء الحكومات إلى الخارج. فقد قام والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري بزيارات أكبر وأوسع وحظيت بتغطية إعلامية واسعة، لكنها كانت دائماً موضع رصد وتعقب وتشكيك وعرقلة من فئات بالداخل والخارج.

اليوم، وبعد زيارته التاريخية إلى دمشق، وفي ظل تطور ورعاية وعناية ومتابعة المظلة السعودية لها وبعد التقدم الكبير في العلاقات السعودية ndash; السورية، وفي ظل العلاقات السورية - التركية المتنامية، والتي شهدت مؤخراً تشكيل مجلس تعاون استراتيجي بين الدولتين، قام سعد الحريري بزيارة مهمة إلى تركيا. وكان الوفد الوزاري المرافق مؤلف من وزراء يمثلون كل الكتل النيابية والقوى السياسية. الاستقبال كان على مستوى كبير من التنظيم والدقة والعناية، وهذا بحد ذاته شكل رسالة للجميع. والمضمون كان مهماً جداً. علاوة على الاتفاقات التي وقعت وفتحت صفحة جديدة في العلاقات التركية- اللبنانية وآفاقاً مهمة للتبادل التجاري والمالي، وتسهيلاً لحركة الانتقال بين البلدين من خلال إلغاء التأشيرة، وهذا بحد ذاته تقدم كبير بعد التقدم التركي في المجال عينه الذي حصل مع سوريا والأردن، مما يعني فتح الحدود بين هذه الدول الأربع وأبواب التعاون الأمني اليومي بين أجهزتها، علاوة على كل ذلك كان الموضوع السياسي والموقف السياسي خلال الزيارة، والنتائج السياسية خلالها وبعدها لافتة جداً.
الرئيس الحريري أكد ثوابت الموقف اللبناني أمام كل وسائل الإعلام الموجودة لتغطية وقائع المؤتمر الصحافي مع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان. بحضور الوزراء ومن بينهم وزير quot;حزب اللهquot; كان واضحاً لجهة القول إن إسرائيل ترتكب الانتهاكات الدائمة للقرارات الدولية ولا سيما القرار 1701 ولبنان يدافع عن نفسه في وجه إرهابها، وإذا اعتدت على لبنان مجدداً، فالشعب اللبناني لن ينقسم! وطالب تركيا بممارسة كل الضغوط على إسرائيل لتثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب والانتهاء من حالة وقف العمليات - فقط - وهي في كل الحالات لم تتوقف نهائياً.

رئيس الحكومة التركية قال كلاماً قوياً في انتقاده إسرائيل وسياستها وممارساتها وابتعادها عن السلام، مؤكداً أن وزير الدفاع الإسرائيلي سيكون في أنقره، وسيسمع الموقف التركي، مذكراً بما جرى في دافوس وكيف انسحب من المنصة لأن بيريز تصرف حينها بشكل غير مقبول، وكانت الحرب على غزة قد تركت آثاراً خطيرة على الشعب الفلسطيني والمسيرة السلمية. ومؤكداً أنه لم يذهب هذه المرة كي لا يلتقي به! ومكرراً الموقف التركي لناحية الوقوف إلى جانب لبنان وحمايته.

ردّ الفعل الإسرائيلي كان سريعاً جداً ومتوتراً. وزير الخارجية ليبرمان دعا وزير الدفاع باراك إلى تأجيل زيارته إلى تركيا. ووسائل الإعلام الإسرائيلية انتقدت الموقف التركي. كذلك فعل عدد من المسؤولين الإسرائيليين الذين اعتبروا أن تركيا تحمي الذين يهددون أمن إسرائيل، ثم استدعي السفير التركي، وتم توبيخه على حد قول البيان الرسمي الإسرائيلي! تركيا فعلت الشيء نفسه مع السفير الإسرائيلي، والإعلام التركي أعطى الموضوع حيزاً كبيراً من الاهتمام.

لماذا هذه الهستيريا الإسرائيلية؟ الموقف التركي مبدئي ولا يحمل جديداً. تركيا مشاركة في القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان. رفضت تدمير لبنان واستهدافه واحتلال أرضه. تلتزم القرارات الدولية وتدعو إلى تنفيذها. وفي فلسطين رفضت الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني إذاً، لا جديد على المستوى التركي. والموقف الإسرائيلي لم يتغير. فماذا تغيّر؟

إنه لبنان، لبنان في قلب تركيا، في دائرة القرار التركي، والكلام التركي على لسان رئيس الحكومة أردوغان قيل عن لبنان وحمايته وأكد الالتزام بذلك أمام رئيس الحكومة اللبنانية، الذي قال كلاماً حاسماً في الدفاع عن حق لبنان كما ذكرنا.

إسرائيل لا تقبل الموقف اللبناني، وهي لا تميز بين اللبنانيين، بل تهدد الحكومة اللبنانية قبل غيرها. ولا تحتمل كلاماً من النوع الذي قاله أردوغان أمام وسائل الإعلام العالمية إلى جانب رئيس الحكومة اللبنانية. إنها تركيا الدولة الكبرى في المنطقة، والتي توسّع امتداداتها في أكثر من اتجاه وتعمل دبلوماسيتها بحيوية ودينامية وهدوء وصبر وحكمة ووفق رؤية واضحة وتحقق الاختراقات والنجاحات والحصانات المهمة، وتربطها بإسرائيل علاقات جيدة، ولذلك لا تستطيع هذه الأخيرة أن تتجاوز حدودها في هذه العلاقات وهي مضطرة لأن تحسب لها الحسابات الدقيقة.

وفي مجال آخر فإن إلغاء التأشيرات بين تركيا ولبنان، وتوقيع اتفاقيات تجارية وزراعية وكهربائية ومائية لمـدّ لبنان بالطاقة واستثمار مياهه أمر في غاية الأهمية ليس لأنه يوفر على لبنان مالاً بمعنى تخفيض كلفة خدمة الدين العام فحسب بل يوفر له مالاً بمعنى زيادة إنتاجيته، وفي الوقت ذاته يكرّس الديمومة والاستمرار في ذلك لأن الخطوات التي نفذت والمرتقب تنفيذها تمّ الاتفاق عليها مع الجانب التركي صاحب الكلمة المحترمة والموقع المتقدم في المنطقة وفي ظل علاقات سورية -تركية متقدمة وسورية لبنانية تستعيد تميزها، ويؤمل أن تنتج خيراً على مستوى مصالح البلدين المشتركة.

ماذا يعني هذا الأمر؟

دون مبالغات نحن أمام فرصة استثنائية تنطلق من موقفنا الداخلي مع بداية عمل حكومة تضم كل الأطراف، وتمر ببداية استعادة الثقة في العلاقات اللبنانية ndash; السورية، لتنمو وتتطور في مثل هذه العلاقة مع تركيا، فضلاً عن الدور الأساسي الراعي للمملكة العربية السعودية في أكثر من مجال واتجاه، وبالتالي نحن أمام إمكانية حقيقية للخروج من أزماتنا إذا أحسنا الاستفادة من هذه الفرصة وشبكة العلاقات التي أشرنا إليها، على أن نتنبه دائماً إلى الخطر الإسرائيلي الذي لم يحتمل زيارة إلى تركيا وموقفاً فيها ومنها.

ويعني أيضاً أننا قادرون في السياسة والدبلوماسية والإعلام أن نصيب إسرائيل أيضاً، وأن نكرّس حقنا في الدفاع عن أرضنا.