علي حماده


ليس سراً ان العلاقات التي جمعت الرئيس الشهيد رفيق الحريري بالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك مثلت اقوى علاقة جمعت مسؤولاً لبنانياً رفيعاً بأعلى مسؤول فرنسي منذ ولادة الكيان اللبناني، وحتى قبل ولادته. اسهمت العلاقة بين الرجلين بقوتها ومتانتها وعمقها في صوغ حقبة من تاريخ لبنان الحديث، وبإغتيال الحريري في خضم معركة الاستقلال الثاني، ثم بخروج شيراك من الرئاسة بعد ولايتين رئاسيتين امتدتا اثنتي عشرة سنة، تغيرت الصورة بين لبنان وفرنسا. فالرئيس نيكولا ساركوزي أجرى مراجعة في سياسة فرنسا اللبنانية، وفي العلاقات مع الحكم السوري ليستقر على سياسة أخذت علما باستحالة عرقلة قيام المحكمة الدولية الناظرة في قضية الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، وفي الوقت عينه اخذت علما بفكرة تقول ان عزل سوريا ومحاصرتها أكثر كلفة من الانفتاح عليها ضمن شروط ما عادت دمشق قادرة على التنصل منها للعودة الى مرحلة ما قبل 2005. وقالت الفكرة ان اهتزاز الحكم في سوريا سيؤدي الى انفلات الاصولية الدينية في البلاد، الامر الذي يؤدي الى quot;تهديدquot; الاستقرار على الحدود مع الاسرائيليين الى حد قد يلهب المنطقة ويدخلها في فوضى نجح الحكم السوري حتى الآن في ضبطها.
أجاز الرئيس الفرنسي الجديد ساركوزي لطاقمه المقرب وعلى رأسه كلود غيان الامين العام لقصر الاليزيه فتح قنوات الاتصال بدمشق ومن خلالها بالمعارضة السابقة في لبنان، من أجل عقد اتفاق غير مكتوب دخلت قطر طرفا فيه وعرف شقه اللبناني في ما بعد بـquot;إتفاق الدوحةquot; وادى في مرحلة ما بعد 7 أيار 2008 الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتشكيل حكومة انتقالية، ثم اجراء انتخابات نيابية في ظروف شبه طبيعية. وفي الشق الفرنسي ndash; السوري اعتبر ساركوزي انه احرز انتصاراً في quot;الحل اللبنانيquot; ضمن، وفق وجهة نظره، استقراراً قام على تحييد بلاد الأرز عن النزاعات الاقليمية استناداً الى معطى يفيد ان اراحة سوريا تؤدي الى اراحة لبنان متى ضمنت حدا معينا من مصالحها الحيوية فيه.
حصلت الانتخابات النيابية في حزيران 2009، وجددت الغالبية الاستقلالية انتصارها من دون ان تتمكن من ترجمته في الحكومة. ومع ان زعيم الغالبية سعد الحريري وصل الى السرايا الحكومية فقد اضطر الى التعامل مع واقع استحال تجاوزه تمثل بعودة الحرارة الى العلاقات السعودية ndash; السورية ووضع الرياض مواجهة المشروع الايراني في المشرق العربي في مقدم اهتماماتها، واضطر الى التعامل مع نتائج 7 أيار العملية التي افرزت واقعا على الارض يتجاوز قوة الدولة ومؤسساتها، وأخيراً أخذ الحريري علما بالتحولات الاقليمية والدولية التي شكلت فرنسا ساركوزي بوصلتها طوال سنتين.
يوم الاربعاء المقبل يبدأ سعد رفيق الحريري زيارة رسمية لفرنسا بصفته رئيسا للحكومة اللبنانية. وزيارته قصر الاليزيه ليست الاولى، ولكنها مختلفة. فالعلاقات الشخصية مع الرئيس الفرنسي جيدة من دون ان تكون حميمة على النحو الذي كان قائما مع الرئيس شيراك، ولكن الحريري لا يخفي انه يعمل على تمتينها قدر استطاعته. وهذا تحدّ، إذ ان السياسة الفرنسية في المنطقة ابتعدت نوعا ما عن السعودية لتقترب من قطر، فيما يعتبر أن علاقات الرئيس الفرنسي باسرائيل أفضل باشواط من علاقات شيراك بها، ولعل من ابرز نقاط الخلاف الاسرائيلي مع فرنسا شيراك القرار 1559 الذي أدى الى خروج القوات النظامية السورية من لبنان، وقد حاولت اسرائيل عرقلته بوسائل عدة ليس اقلها تبنيها ابوة كاذبة للقرار بتصريحات ادلى بها وزير الخارجية آنذاك سيلفان شالوم أُريد منها quot;شحن بطارياتquot; المعسكر المتضرر من القرار.
يدخل الرئيس سعد الحريري قصرا يعرفه جيدا. ويقيم علاقات من نوع جديد بين ثالث ارفع مسؤول لبناني والمسؤول الفرنسي الارفع في مرحلة تعاد فيها رسم خريطة التحالفات في منطقة الشرق الاوسط، وفي وقت تنهال على لبنان التحذيرات من كل صوب من خطورة ارتكاب اي خطأ، مقصودا كان ام لا. ومغامرة حرب تموز2006 ماثلة في الاذهان.