قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حسن حنفي

تشرت شائعات حول انقسامات في الحزب العربي الديمقراطي الناصري، وهو الحزب الاشتراكي الوحدوي في مصر، وقد حدثت استقالات مرتين في رئاسة تحرير جريدة الحزب. وهو ما حدث أيضاً في الأحزاب والتنظيمات الأخرى، شرعية أو محظورة، بعد الانتخابات الأخيرة، المشاركة أو عدم المشاركة في الانتخابات المبدئية أو في الإعادة بين مؤيدين ومعارضين. وظهرت أحزاب المعارضة ضعيفة متفرقة على رغم محاولة أحدها التنسيق مع الحزب الحاكم كي يأخذ أكبر قدر من عدد النواب في المجلس الجديد، والاستناد إلى الحكم أكثر من الاستناد إلى المعارضة.


وهناك فرق بين الناصرية والناصريين. الناصرية، في نظري، مغروزة في وجدان الشعب. فكل مصري، وكل عربي، وكل إفريقي- آسيوي- أميركي لاتيني ناصري بالتاريخ، ما يزيد على نصف قرن، وبالواقع المعيش، أحوال العمال والفلاحين ومجموع الفقراء الذين يمثلون أكثر من ثلاثة أرباع الشعب. وقد جسدت الأغنية القديمة quot;ناصر، كلنا بنحبكquot; هذه الناصرية في الوجدان الشعبي. وجسدتها المبادئ الستة لثورة يوليو 1952، محاربة الاستعمار، والإقطاع، والرأسمالية، وقضية فلسطين، وتكوين جيش قوي، وتأسيس الديمقراطية. والآن لم يبق منها شيء. فقد عاد الاستعمار، وتمت التحالفات العلنية معه، والاعتراف بإسرائيل، ونشأ إقطاع جديد ممثل في كبار رجال الأعمال، ورأسمالية جديدة في القطاع الخاص.
الناصرية في الوجدان الشعبي والوعي التاريخي المعاصر، هي القطاع العام لخدمة الشعب، ودعم المواد الغذائية، وتحديد إيجار المساكن، وإنشاء الجمعيات التعاونية بأسعار محددة للسلع، وإنشاء المدن السكنية للعمال ولطبقات الشعب الفقيرة، والتصنيع، والخدمات العامة، مد شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء. وعلى الصعيد الخارجي، كرامة مصر الممثلة في شعار quot;ارفع رأسك يا أخيquot;، والقومية العربية توحيداً للعرب، وعدم الانحياز، أو الحياد الإيجابي، مع الهند ويوغوسلافيا كما تمثل في مؤتمرات باندونج وبلجراد والقاهرة والجزائر.

قادت الناصرية حركات التحرر الوطني في الوطن العربي، وأصبحت القاهرة مقرّاً لها، خاصة الإفريقي منها. وقامت الثورات العربية على نموذج quot;الضباط الأحرارquot; في العراق 1958، وفي اليمن 1964، وفي ليبيا 1969. وظلت قضية الديمقراطية مطروحة عبر الفترات الثلاث للثورة المصرية، الأولى 1952-1970، والثانية 1971-1981، والثالثة 1981 وحتى الآن.

أما الناصريون فهم تنظيم سياسي حزبي، حاول تجسيد الناصرية والتعبير عنها بعد الانقلاب عليها منذ 1971، واستمرار هذا الانقلاب حتى بعد حرب أكتوبر 1973. وقد شارف على نهايته. صحيح أن الحياة الحزبية في مصر قد ضعفت أو تلاشت بعد ثورة يوليو 1952 لحل الأحزاب والتنظيمات القائمة قبلها مثل quot;الوفدquot; وغيره من أحزاب. ولم تنجح الثورة في تأسيس حزب بديل يملأ الفراغ السياسي مهما تعددت الأسماء والمراحل: هيئة التحرير، الاتحاد الاشتراكي، حزب مصر، الحزب الوطني. إذ يصعب تشكيل حزب وقادته في السلطة. فالحزب ينشأ بالطبيعة في حضن الشعب مثل جبهة التحرير الوطني في الجزائر، ومثلها في كوبا وفيتنام. والتنظيمات الناصرية في الوطن العربي، في لبنان واليمن أكثر قوة وشعبية من الحزب الناصري في مصر لأنها نشأت من القواعد الشعبية.

هناك تحديات كبيرة أمام الناصريين كتنظيم سياسي. كيف يمكن توسيع قواعده، والخروج من دائرة بعض المثقفين اليساريين إلى أصحاب المصلحة الحقيقية في الناصرية، العمال والفلاحين والطلاب الذين غنـّى لهم الشيخ إمام؟ كيف يمكن الوصول إلى الفلاحين أصحاب الأرض، والعمال أصحاب المصانع، والطلاب أصحاب المدارس والجامعات بدلاً من تمليك أراضي مصر للمستثمرين الخارجيين بدعوى الإصلاح الزراعي، وتحويل الصناعات الأساسية كالحديد والصلب إلى ملكيات خاصة، والمدارس والجامعات ومجانية التعليم إلى قطاع خاص ومصروفات لا يقوى عليها إلا أبناء الطبقة الجديدة؟

صحيح أن تجنيد الجماهير في حاجة إلى قدرات ومواهب كانت موجودة في شخصية ناصر وخطبه quot;أيها الإخوة المواطنونquot; وشعاراته منذ بداية الثورة quot;الاتحاد والنظام والعملquot; حتى quot;ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوةquot; في 1967.

كيف يمكن تجاوز الصراعات الداخلية حول المناصب القيادية في التنظيم حول أشخاص وليس حول تيارات أو اتجاهات أو أجنحة حول برنامج ناصري يعبر عن الحالة الراهنة للناصرية بعد ستين عاماً؟ كيف يمكن تجديد أجيال الناصريين بدلاً من سيطرة الرعيل الأول على التنظيم أو عزلة آخرين والابتعاد عنه؟ ألا يمثل الناصريون التاريخيون وقيادتهم للتنظيم الطابع التقليدي الأبوي، الأسري العشائري الذي تتسم به المجتمعات التقليدية؟ كيف يمكن للأحزاب التقدمية العمل في مجتمعات تقليدية عن طريق تثوير الثقافة الشعبية وجعلها حاملاً للأهداف القومية؟ لقد انصرفت الأجيال الجديدة عن العمل الحزبي وتوجهت إلى الانخراط في الروح الجديدة، عالم رجال الأعمال أصحاب الحرف أو المناصب السياسية للحزب الحاكم أو إلى الهجرة إلى الخارج بحثاً عن الرزق أو عن مستقبل أفضل حتى لو كان الثمن الموت غرقاً في الهجرات غير الشرعية أو الوقوف أمام السفارات طوابير كل يوم من الصباح الباكر وفي يد كل مواطن طلب الهجرة. لقد يئست الأجيال الجديدة من التغيير، وخططت مستقبلها خارج الوطن. كل مواطن يحل مشكلته بطريقته الخاصة بعد أن استحالت الحلول العامة لجميع المواطنين.

غاب الحوار الداخلي في التنظيم كي يحل محل الصراعات الداخلية. وغاب النقد الذاتي الضروري لمعرفة الإيجابيات والسلبيات. فالنقد الذاتي هو محرك الحياة السياسية والحزبية. وضعف الحوار الوطني مع باقي التيارات والتنظيمات السياسية. وغاب الإبداع السياسي من أجل تكوين جبهة وطنية تجتمع على الحد الأدنى من الأهداف الوطنية، حتى تعود مصر إلى تاريخها السياسي قبل ثورة 1952 وبعدها.

كيف يمكن استثمار عدم الرضا الكامن في القلوب الذي يعبر عن نفسه بين الحين والآخر في الحركات الشعبية منذ يناير 1977، حتى إضراب العمال أبريل 2008؟ كيف يمكن استثمار الحنين إلى الماضي وتحليل الوعي التاريخي بالذهاب إلى الماضي البعيد، والماضي القريب ما زال حاضراً في الذاكرة الوطنية؟ لا بديل عن الجبهة الوطنية المتحدة التي تضم كل التيارات السياسية. حينئذٍ تستيقظ مصر.