قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


علي الظفيري

الاتهام الذي وجهته السلطات التونسية للمتظاهرين في أحداث سيدي بوزيد، أنهم قاموا بتسييس الملف مما أدى لتأزيم الأمور، وقد عبر الرئيس زين العابدين بن علي عن هذا الأمر بشكل صريح ومباشر، وزاد من اتهامه للإعلام الخارجي بأن جعله سببا في توتير القضية وتفاعلها بشكل أكبر، ولكن اللافت أن الموقف الرسمي لم يترك لنا مقترحات نستهدي بها في هذه القضية، فإن كان تسييس ملف حياة الإنسان ورزقه وكرامته أمراً معيباً فما هو الحل، هل ننظر بروح رياضية مثلا للمسألة، هل نتعاطى مع انتفاضة الشبان التوانسة في سيدي بوزيد على أنها مسألة نفسية!، هذا الحديث يذكرني بالتصريح الشهير للنائبة في البرلمان الكويتي سلوى الجسار حين دعت زملائها في البرلمان إلى (عدم تسييس السياسة)!
أول ما تبادر إلى الذهن الرسمي التونسي هو اتهام الآخرين، هؤلاء الشباب مدفوعون من آخرين في الظلام، والإعلام الخارجي هو السبب في تأجيج القضية!، لم يتأنّ الرسمي التونسي لحظة واحدة ليسأل نفسه، ما هي الأسباب الحقيقية خلف هذه الانتفاضة الكبيرة في مدينة سيدي بوزيد؟، ولماذا تتحول قضية البطالة -وهي قضية اعتيادية في كل البلدان- إلى قضية كبرى وتأخذ مسارات غير تلك المسارات المعتادة؟، أليس في مظاهر الفورة الكبيرة لدى كل هؤلاء الشباب ما يدعو للتأمل وإعادة التفكير في أشياء كثيرة، وهل ستنجح السذاجة الاتهامية للآخرين في تبرير ما آلت إليه الأوضاع في هذه البلاد الجميلة، إن أول ما يجب على السلطات القيام به، وقبل قمع المتظاهرين، وقمع الإعلام، وقمع كل شيء، أن تقوم بواجب أداء الأسئلة، وتلك الأسئلة الملحّة التي تجاهلتها منذ زمن طويل.
أمر لافت ومثير للانتباه في عالمنا العربي، وهو كيف تتحول القضايا الصغيرة ndash;رغم أهميتهاndash; لقضايا كبرى، ويحدث أن تتفاعل في أوساط المجتمع والإعلام بشكل كبير جدا، وهنا تبرز عدة ملاحظات يجب التوكيد عليها، أننا أمام مجتمعات حية وواعية وقادرة على الحراك في الإطار المسموح والممكن، وهذا يزداد يوما بعد يوم، نسبة الشباب العالية في مجتمعاتنا العربية تلعب الدور الأكبر في هذا الحراك، وهي لا تقبل ndash;جملة وتفصيلاndash; ما يحدث في بلدانها من سوء، فالشاب السعودي لا يستطيع أن يفهم أبدا لماذا تتحول الأمطار الموسمية إلى كارثة في جدة!، وأين تذهب كل الأموال الطائلة من عائدات النفط؟، ولماذا لا يحاكم فاسد واحد في البلاد على ما قام به من عبث وسرقة، وهل يعقل أن تكون مدينة مثل جدة بهذا السوء!، والشباب في الحالة العربية، يطرحون الأسئلة السهلة والبسيطة والأولية، والتي تسهم في إعادة التفكير بالمسلمات الخاطئة التي عملت السلطة على تكريسها زمنا طويلا، مثل السؤال الذي يطرحه شاب في الكويت: لماذا تقف الدولة بأسرها خلف الجويهل!
الأمر المهم والذي يجب الانتباه له، هو أن حالة التعبير في هذه القضايا عينة قابلة للتعميم، فالحديث عن المطر والبطالة ما هو إلا احتجاج على نظام الإدارة القائم في هذه البلدان، وهو احتجاج واضح لا لبس فيه، والنظام الذكي يستطيع أن يدرك مدى أهمية هذه المسألة، ففي ظل التيسير الحاصل في وسائل الاتصال وزيادة الوعي لدى المجتمعات وإدراكها لألاعيب الأنظمة الحاكمة، باتت الخطورة كامنة في مزيد من التدهور والاتجاه نحو تعظيم حالة الاحتجاج وتناميها، يحدث هذا في ظل غياب مشروع ورؤية واضحة لدى الدولة العربية، وانحسار العمل السياسي فيها نحو تحقيق أهداف صغيرة تتعلق بشخص الحاكم وأسرته وترتيب خلافته!، يحدث هذا في ظل الصراع الكبير بين مفهومي الوطن والمزرعة، الذي يسعى كل من الحاكم والشعب إلى تكريسه على أرض الواقع.