قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سمير عطا الله

تذكر مع اسم مي زيادة أسماء مثل بدور الأدب: طه حسين، العقاد، جبران خليل جبران، أمين الريحاني، وآخرين. لكن صاحبة هذا الاسم ماتت وحيدة، متهمة بالجنون، وحزينة حزن العذابات الكبرى. كان أمين الريحاني بين آخر الذين رأوها في أحد مستشفيات بيروت. ويروي الرجل في laquo;قصتي مع ميraquo; نهاية صاحبة الاسم النسائي الذي لمع وحيدا في مجرة الأدب العربي وخبا وحيدا وانطفأ وحيدا، في ظروف غامضة لم يستطع أحد أن يفصل فيها حتى اليوم: هل تآمر بعض أهلها عليها من أجل سلبها أموالها، واتهموها بالجنون وأدخلوها المصح العقلي؟ أم إنها أصيبت فعلا بالمرض؟
الريحاني الذي دأب على زيارة مي من مستشفى إلى آخر، كان مقتنعا بتقرير طبي وضعته لجنة من الأطباء الفرنسيين والأميركيين، وهو أن مي مصابة بعقدة الاضطهاد، لكنه مرض بسيط يسهل علاجه إذا وضعت في جو مناسب وغاب من حولها أهلها والمتآمرون عليها. وكتب الريحاني إلى بعض الوزراء في مصر، يناشدهم التدخل لإخراج الأديبة من هذه المحنة، واتهم طبيبا من أقربائها بأنه يتزعم المؤامرة للحجز على حياة مي وعلى أموالها وثروتها.
ووكّل الريحاني وأصدقاء مي بعض أشهر محامي تلك الحقبة لمتابعة قضيتها، وفي طليعتهم الشيخ بهيج تقي الدين. لكن قضية السيدة المعذبة ظلت تنتقل من فصل إلى فصل. وأعربت عن حزنها ومرارتها بالإضراب عن الطعام وعن الكلام وعن استخدام أدوات الزينة، فاتخذ المتآمرون ذلك دليلا على حجتهم بأنه يجب أن تنقل إلى المصح العقلي المعروف laquo;بالعصفوريةraquo;.
أعدت قراءة الرسائل التي كتبها الريحاني والتقارير الطبية التي أرفقها ووصف زياراته لها، ولم أستطع الخروج بحكم شخصي. لا شك أن مي كانت تعاني من مرض نفسي ما، لكن الذي لا شك فيه أيضا أنها كانت محاطة بأقرباء من النوع البالغ السوء أو البالغ الجهل: هل أرادوا حقا الحجز عليها خوفا من الإقدام على الانتحار، كما يفعل غالبا المصابون بهذه الحالة؟ أم إن كل همهم كان محصورا في مال مي وثروتها؟
ماذا لو لم تكن مي ثرية؟ من كان يمكن أن يهتم بأمرها من هؤلاء؟ ماذا كان يعنيهم إن هي دخلت المصح أو أبقيت خارجه؟ لا أدري. كنت دائما أحلم، في جملة الأحلام التي أعرف صعوبتها حقا، أن أعيد إثارة قضية مي زيادة، استنادا إلى وثائق المستشفى، الذي لم يعد موجودا، أو إلى الوثائق الفرنسية أيام الانتداب، لكن أحدا لم يبق من تلك المرحلة، ولا بقي شيء، سوى بضع أوراق مثل كتابات الريحاني، يقرؤها المرء فيزداد حزنا ويزداد الأمر غموضا.