قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

الأستاذ الفاضل (منصور الحميدان) طرح سؤالاً في عزيزتي الجزيرة جاء كتعليق على أحد مقالاتي يتساءل فيه عن ماهية (الحركية الإسلاموية)، وكيف نحددها؟.. وهو سؤال مشروع؛ بل أجده من الأهمية بمكان؛ فكثير ما نوظف بعض المصطلحات في سياقات مختلفة دون أن نحدد معناها، الأمر الذي يجعل القارئ في كثير من الأحيان مشوش الفكرة، لا يعرف على وجه الدقة، أو إن شئت: الوضوح ، ماذا يعنيه الكاتب بهذا المصطلح.

الحركيون الإسلامويون أعني بهم أولئك الذين يحولون الإسلام من كونه دين لكل من يؤمن به، وعقيدة بين الإنسان وربه أولاً، إلى جعله خطاباً تعبوياً سياسياً هدفه استثارة المشاعر والعواطف الدينية لأغراض محض سياسية. وعندما أصفهم بالإسلامويين، وليس بالإسلاميين، فإنني أهدف من هذا الوصف إلى التمييز بين النسبة إلى الإسلام، والنسبة إلى الحركات السياسية التي تختزل الإسلام في منهج وأطر معينة، بحيث يتحول بالممارسة إلى حزب سياسي، يتعامل مع الدين كما يتعامل السياسي مع أهدافه ومصالحه، فيرفع من الشعارات، ويتبنى من المواقف، ما يُمهد وصوله إلى سدَّة الحكم مثله مثل أي كائن سياسي آخر. وبدلاً من أن يكون الدين لجميع معتنقيه، والمؤمنين به، لا يُصادره أحد من أحد، ولا تحتكره فئة دون الأخرى، يتحول الدين إلى (وسيلة) أو مطية يمتطيها (السياسي) الإسلاموي للوصول إلى أهدافه ومراميه؛ ومن أجل تحقيق هذه الغاية لا بد وأن يُصادِر الإسلام من الآخرين، ويحصره في طرحه ورؤاه، ويعتبر كل من اختلف معه سياسياً يختلف مع دين الإسلام وقيمه وتعاليمه وليس معه.

خطورة هذه الحركات أنها تدعي أنها تمارس نشاطاتها باسم الله وليس باسم الإنسان؛ فإذا اختلفت هذه الحركات معك فأنت في معاييرها تختلف مع الله، أو مع دين الإسلام، وليس مع هذا الشخص أو ذاك، أو هذه الأيديولوجية السياسية أو تلك، وكذلك فإنك إذا اتفقت معها فأنت بالضرورة المسلم الصحيح الصادق؛ وهذا ما يبيعه أساطينها على السذج والبسطاء.

ولا يمكن فهم الحركية الإسلاموية كطيف سياسي متعدد المشارب والتوجهات إلا بفهم الفترة التي نشأت فيها هذه التوجهات الحركية في الثلث الأول من القرن العشرين. يقول عبدالرحيم بوهاما في كتابه (الإسلام الحركي) من سلسلة (الإسلام واحد ومتعدد) عن فترة النشأة: ( عرفت هذه الفترة منافسة شديدة بين مواقف إيديولوجية مختلفة كالشيوعية والقومية العربية والدعوات اليسارية عموماً. وقد تم حشر الإسلام في هذا الصراع بوصفه أيديولوجيا قادرة على مقاومة الشيوعية والقومية. وتحول الإسلام فعلاً إلى أيديولوجيا سياسية وفكرية بعد أن رأى فيه أنصار هذا المذهب حقيقة مثالية صالحة لكل زمان ومكان). انتهى. وبعد سقوط الشيوعية، وفشل الحركات والأحزاب القومية في تقديم حلول نهضوية، وجد الإسلاموي الحركي نفسه مسيطراً على الساحة، ليس لأنه قدم حلولاً تنموية حقيقية، وإنما لفشل الآخرين، وكونه لم يُجرب بعد.. ولعل فشل طالبان، وفشل حماس (الإخوانية)، وكذلك فشل الترابي في السودان، ناهيك عن تخبط الثورة الإيرانية، وعجزها عن تقديم حلول تنموية حقيقية في إيران، جعل الصحوة الإسلامية كما يسميها أصحابها، أو الحركية الإسلامويه كما نسميها، تبدأ في مرحلة الأفول هي الأخرى؛ وهذه المرحلة هي التي نعاصرها الآن.

أعرف أن هذا الموضوع واسع ومتشعب، ولا يمكن أن تكفي لتوضيحه بصورة جلية مجرد زاوية في صحيفة، غير أن هناك كثيراً من الدراسات التي تحدثت باستفاضة عن ما يُسمى بالإسلام السياسي، أجد أن البحث الذي أشرت إليه آنفاً: (الإسلام الحركي) من أهمها، نظراً لكونه مختصرا، وكتب بلغة سهلة، ويضع كثيراً من النقاط على الحروف بصورة علمية ومؤصلة؛ ويستطيع من يرغب في الاستزادة الرجوع إلى هذه البحوث.