سعيد حارب

في روايته الرائعة laquo;لا أحد ينام في الإسكندريةraquo; يرسم الروائي الإسكندراني إبراهيم عبدالمجيد صورة للمجتمع المصري في نهاية الحرب العالمية الثانية، من خلال أسرتين إحداهما مسلمة هاجرت من الريف لتستقر في الإسكندرية بحثا عن الرزق وتجاور أسرة مسيحية، وتنشأ بين الأسرتين علاقات اجتماعية تتجاوز كل الاختلافات لتواجه حالة الحرب التي يعيشها العالم، لكن مدينة الإسكندرية المصرية لا تنام هذه الأيام، لا لأن حربا عالمية تدور على تخومها في منطقة العلمين، بل لأن هناك دماء سالت على أرضها لتعيد تجديد حالة الاحتقان بين المسلمين والأقباط.
ولا شك أن ما حدث من قتل الأبرياء في كنيسة القديسين يعد جريمة بكل المقاييس الشرعية والقانونية والإنسانية، فاختلاف الدين ليس سببا للقتل في أي دين أو ملة أو قانون، ويبدو أن هناك من لا يريد لمصر وللمجتمع المصري أن يستقر ويعيش في أمن وسلام، أو أن هناك من يخطط لما هو أبعد من مجرد قتل الأبرياء، فالملاحظ منذ سنوات أن هناك حالة من التوتر بين المسلمين والأقباط في مصر، وهي حالة لم تشهدها مصر عبر تاريخها الطويل نظرا لطبيعة الشعب المصري المترابط اجتماعيا، فمن عاش في مصر عرف أن هذا الترابط أقوى مما هو عند شعوب أخرى، ويكفي أن تقف في أحد شوارع القاهرة لتسأل عن مكان ما لتجد من يتبرع بأخذك إليه، كما أن من صفات المصريين أنهم يتحدثون كثيرا مع بعضهم البعض بفترات أطول مما اعتاده الناس، خاصة في المجتمعات الغربية، ورغم ما يراه البعض سلبيا فإنه بالمقابل يعبر عن ارتباط المصريين مع بعضهم البعض، كما أنه لا يمكن التفريق بين المسلم والقبطي في مصر إلا من خلال بعض الأسماء التي تميز المسلم عن المسيحي، ومع ذلك تجد المصريين مسلمين وأقباطا يتضامنون فيما بينهم في الأفراح والأحزان، وإذا كان هذا على المستوى الاجتماعي فإن العلاقة بين الإسلام والكنيسة القبطية في مصر كانت علاقة سلم واحترام كل طرف لحقوق الطرف الآخر، وبين يدي كتاب قرأته منذ أيام قليلة، هو كتاب laquo;أقباط.. مسلمون قبل محمد صلى الله عليه وسلمraquo; لمؤلفه الدكتور فاضل سليمان، يتحدث فيه عن معاناة مسيحيي مصر التاريخية على يد إخوانهم المسيحيين، لا لشيء سوى اختلاف المذهب الديني، وكيف عانى الأقباط من الاضطهاد والظلم، ثم يشير الكاتب إلى طبيعة العلاقة بين الإسلام -بعد دخوله مصر- والمسيحيين الأقباط، وكيف حافظ المسلمون عبر تاريخهم الطويل في مصر على العلاقة الطيبة بين عنصري الوطن من المسلمين والأقباط، فما الذي حدث ليغير من مسيرة هذه العلاقة؟ وهل ما يحدث في مصر هو مجرد حوادث متفرقة يقوم بها بعض الذين يوصفون بأنهم من المتطرفين المسلمين، أو أن ما يحدث يأتي ضمن سلسلة منتظمة من الخطوات لتحقيق أهداف بعيدة المدى؟
لا أميل عادة لنظرية المؤامرة في رؤية الأحداث، لكن علينا أن نستخدم هذه laquo;النظريةraquo; حتى نتصور السيناريو الأسوأ الذي يمكن أن يحدث، إذ إن ما يخطط لمصر يتجاوز ما تم، بل يراد لها أن لا تبقى laquo;مصرraquo; واحدة بل مصرين أو أمصارا!! أي تفتيت مصر إلى دولتين إحداهما مسلمة والأخرى مسيحية، ومن يتابع حركة التاريخ في العقود الثلاثة الماضية يجد نموذجين واضحين لهذه الحالة، أولهما في الشرق البعيد، أي تجربة تيمور الشرقية التي كانت جزءا من إندونيسيا، وبسبب الصراع الديني، ارتفعت المطالبة بالاستقلال، وقد تدخل المجتمع الدولي مطالبا بحماية laquo;سكان تيمور الشرقيةraquo; المسيحيين من الاضطهاد، ولعبت الكنيسة الكاثوليكية دورا في حركة المقاومة ممثلة في المطران laquo;كارلوس فيليبي خيمينيس بيلوraquo; الحائز على جائزة نوبل للسلام لعام 1996، وتم تنظيم استفتاء شعبي تحت إشراف الأمم المتحدة يوم 30 أغسطس 1999، حيث اختار %78.5 من الناخبين الاستقلال!! وها هو السيناريو يتكرر في جنوب السودان، فباسم الاضطهاد الديني أو العرقي دخل السودان في مواجهة اتخذت طابع الصدام بين المسلمين والمسيحيين أحيانا، والعرب والأفارقة أحيانا أخرى، أو بين القبائل المختلفة، ومهما كانت الأسباب فإن السيناريو تكرر مرة أخرى في جنوب السودان الذي حظي بدعم دولي أثناء الحرب الأهلية وخلال المرحلة التي مهدت الانفصال، وها نحن نشهد النموذج الثالث من laquo;السيناريوraquo; فما إن وقعت الجريمة في الإسكندرية حتى ارتفعت أصوات المجتمع الغربي مطالبة بحماية laquo;المسيحيينraquo; في الشرق!! وكان بابا الفاتيكان في مقدمة هذه الأصوات، بل laquo;تحمسraquo; البعض منهم ووصف ما حدث بأنه laquo;إبادةraquo; للمسيحيين، في حالة من النفاق السياسي، فالعراقيين يقتلون كل يوم بكافة الوسائل ولم يتحدث أحد عن laquo;إبادتهمraquo; أو حمايتهم، إن ذلك لا يعني القبول بأي جريمة تقع على أي مسيحي في الشرق أو الغرب، والأقباط هم مصريون شأنهم شأن بقية مواطنيهم، لذا فإن أحدا لن يتصور أن يأتي يوم يطالب فيه laquo;المجتمع الدوليraquo; بحق تقرير المصير للأقباط في مصر، كما يسعى له البعض من خلال الحملة على مصر التي تعمل عليها مؤسسات دولية ومراكز أبحاث ووسائل إعلام، ولا شك أن المصريين -مسلمين وأقباطا- لن يقبلوا أن تكون مصر تيمور الشرقية، ولا حتى جنوب السودان.