قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالرحمن الراشد


صحيح أننا نعظ في قضية أصبحت من الحقائق البسيطة، لم يعد ممكنا السيطرة على النظام الإعلامي الجديد بأدوات النظام القديم. صحيح أنها من بديهيات اليوم والكل يعرفها، لكن كما تعلمون العادات القديمة لا تموت سريعا. لهذا فشلت الحكومة التونسية في مواجهة الأزمة غير مدركة أن جمهور الإعلام الرسمي تقلص في السنوات القليلة الماضية حتى صار إعلامها الرسمي غير مؤثر في الرأي العام الغالب. النظام القديم فعليا تغير نتيجة ظهور الإعلام الشعبي، الإلكتروني، حتى الذوق العام. فقد كان في السابق لا يصبح المطرب مطربا إلا إذا اجتاز اختبار الإذاعة الرسمية، ووافقت عليه لجنة من ثلاثة أشخاص أو نحوه، يصبح بعدها مطربا يستمع الملايين إليه. كانت اللجنة، أو الفرد المسؤول، من يقرر الذوق الغنائي للأمة، يقرر من هو المطرب ويجيز الكلمات واللحن. لهذا كان بضعة فنانين يجتازون الامتحان في كل عشر سنوات. اليوم تجد مطربين محظور عليهم الظهور في القنوات الرسمية يحققون على الإنترنت أكثر من مليوني تنزيل ومشاهدة. رقم خرافي مقارنة بالماضي عندما كان أشهر الفنانين يحقق مبيعات ببضعة آلاف من الأشرطة الغنائية. اليوم يوجد مئات المطربين المشهورين شعبيا، ولم يعد أحد يفرض الأغنية واللحن أو يمنعهما رغم شكوى المسؤولين من الفن الهابط، لأن القرار لم يعد قرارهم.
الذي أرمي إليه أن الأدوات تغيرت بالفعل، لكن العقول ظلت تفكر وتعمل بالأسلوب القديم.
حكومة الرئيس زين العابدين بن علي كانت تفخر بأنها أول من تعامل مع الإنترنت، وهذا صحيح إلى حد كبير، لكنها تعاملت إرسالا لا استقبالا. الإنترنت ليس تكنولوجيا جديدة فقط لكنه مفهوم جديد؛ تعاملت معه كما تعامل إذاعتها وصحفها، اعتقدت أن فتح موقع حديث لوكالة الأنباء الرسمية وبث تلفزيوناتها الرسمية على الإنترنت وفتح مواقع للرئيس والحكومة، هو التطور الإعلامي الحديث! في ظني أن الوعد بالانفتاح جاء متأخرا كثيرا؛ لأن ملايين المتعاملين مع المواقع الإنترنتية سمعوا وشاهدوا وقرأوا laquo;حقائقraquo; مناقضة لسنوات، ولا أتخيل أن خطابا أو ثلاثة خطابات رئاسية يمكن أن تخلق قناعات جديدة بهذه السهولة وهذه السرعة. بن علي، تماما مثل المطربين القدامى، يعتقد أن لجنة الإذاعة هي من يقرر المطرب واللحن والكلمات، اكتشف في أربعة أسابيع كم هو مخطئ. إن تجاهل الاتهامات للحكومة والمطالب الشعبية، مهما كانت خاطئة أو غير عملية، يؤدي إلى توسيع الهوة، ويكفي أن يطلق غاضب الرصاص في شارع عام حتى يطلق البقية رصاصهم. المشهد التونسي يمثل حالة صدام بين ثقافتين مختلفتين داخل بلد واحد. الرئيس التونسي مارس كل المتوقع منه في إدارة الأزمة، اعترف أولا بالمشكلة، وقال لهم الرسالة وصلت، وثالثا تعهد بتأمين الوظائف المطلوبة، ورابعا ألقى إلى الحشود الغاضبة عددا من الوزراء والمستشارين كضحايا، وأخيرا أعلن عزمه إنهاء حكمه الطويل بنهاية فترته الحالية، وأعلن تراجعه بفتح ما أغلقه من مواقع وخدمات إخبارية على الإنترنت. ربما ما كان في حاجة إلى هذه التنازلات لو أنه أدرك ما كان يقال ويكتب في المواقع الاجتماعية على مدى سنوات وتفاعل معها، من خلال فتح إعلامه التقليدي حتى يجاري الشعبي، ومنح فرصة لشفافية تساعد على حل المشكلات في حينها لا بعد أن يحسم الجمهور موقفه.