نعيم درويشلم تحمل رزنامة العام 2010 الكثير من الفرح والتفاؤل الى منطقة الشرق الأوسط. ومع بداية العام الجديد تقف منطقتنا على عتبة استحقاقات مهمة، وربما فاصلة. فالمنطقة ترزح تحت وطأة اشتداد المأزق الإقليمي وتعقيداته فيما الوصول إلى تسويات أو حلول دائمة مازال متعذراً بل عرضة للانتكاس.
من المرتقب أن تشهد الشهور المقبلة مجموعة من الاستحقاقات المترابطة، في ظل سباق واقعي بين الحرب والسلم والتصعيد والتجميد.
وهناك عدد من الملفات الساخنة سيكون لأحداثها تداعيات وانعكاسات على العالم العربي من فلسطين ولبنان، مرورا بالسودان واليمن، ووصولا الى إيران والصومال. فكيف سيكون حصاد العام 2011؟!

شبح التفكيك
الاستحقاق السوداني يأتي كأولى المحطات التي تفرض تحديات بالغة الخطورة على السودان نفسه والمنطقة العربية والأفريقية.
فولادة الدولة رقم 193 في العالم لا يعني أن دولة جنوب السودان ستكون بمنأى عن الصراعات الإثنية التي تهدد باشتعال حرب جنوبية جنوبية. وأولى المؤشرات يمكن ملاحظتها من الخلافات السياسية الحادة بين الأحزاب الجنوبية البالغ عددها 70 حزباً.
أما بالنسبة إلى العلاقة بين الشمال والجنوب، فمشاعر الحقد الدفينة بين الطرفين ستزيد من عوامل الفرقة بينهما. وتبقى منطقة أبيي الغنية بالنفط على فوهة بركان، وأي توتر أو حرب بين الجانبين ستكون شراراتها الأولى من هذه المنطقة.

شهية الانفصال
على أن انقسام السودان يفتح الباب لاحتمالات تمزق البلد، خصوصا أن قادة التمرد في دارفور أصبحوا يطالبون بحكم ذاتي ينتهي باستقلالهم. وتبقى مشكلة دارفور حاضرة كساحة محتملة لصراع متفجر في أفريقيا.
وأخطر ما في انفصال الجنوب يتمثل في فتح شهية فئات وأقليات في العالم العربي لإنشاء كياناتها الخاصة بها. وقد بدأت بواكير انتقال العدوى في شمال العراق، إضافة إلى ظهور طرح حماية المسيحيين في الشرق بعد تفجيرات بغداد والاسكندرية مع وجود ملفات مماثلة في المغرب العربي والصومال الذي اصبح يمثل حالة قصوى للدولة الفاشلة او اللادولة. على ان الملف الانفصالي الأبرز موجود في اليمن.

الحراك اليمني
مسارات ساخنة تنتظر اليمن عام 2011. فالساحة الداخلية مليئة بالخلافات بعد تمرير نواب الحزب الحاكم تعديلا دستوريا يتضمن إلغاء القيد الزمني المحدد لفترة ولاية الرئاسة، ما يتيح للرئيس علي عبدالله صالح الاستمرار في منصبه مدى الحياة. وقد بدأت المعارضة بحملة تعبوية واسعة للتصدي لهذا الأمر. على أن الصراع في الجنوب يشكل عاملا مهددا للاستقرار. فالحراك الجنوبي، مدعوما من فئة واسعة من الجنوبيين، يصر على الانفصال وإعادة تشكيل دولة جنوب اليمن. ودخل تنظيم القاعدة على الخط مستفيدا من هذا الصراع لينشط في وسط البلاد وجنوبها ويشن هجمات عديدة العام الماضي.
ويبقى الخطر قائما في الشمال، حيث ينشط الحوثيون. ومن غير المستبعد أن تسقط اتفاقية الهدنة وتندلع الحرب مجددا.

العراق والإرهاب
أما في العراق، وعلى الرغم من التطورات الايجابية التي حصلت في الفترة الأخيرة بفعل تشكيل الحكومة الجديدة، فإن الوضع مازال ينطوي على عوامل تفجير بين القوى المتصارعة. ولعل مسألة كركوك وحق تقرير المصير لإقليم كردستان تبقى من الملفات الساخنة التي تهدد وحدة العراق. على أن تراجع حدة أعمال العنف وتقدم البلاد باتجاه الاستقرار رهن باستمرار تقدم العملية السياسية.
وإذ يبقى العراق الساحة الأبرز للعمليات الإرهابية، فقد انضمت دول جديدة لتكون مسرحا لعمليات laquo;القاعدةraquo; لاسيما اليمن، وقد وجه التنظيم رسالة خطرة الى مصر عبر استهداف الأقباط وتفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية، ما يهدد النسيج الوطني ووحدة المجتمع والسلم الأهلي.

التعددية الدينية مستهدفة
واستهداف الأقباط في مصر والمسيحيين في العراق يعني أن هناك خطة لدى laquo;القاعدةraquo; لاستهداف التعددية الدينية في الدول العربية، خصوصا أن التنظيم قد استفاد من غياب التنمية والديموقراطية وانسداد أفق الحلول السياسية للأزمات في المنطقة لتوسيع قاعدته الجماهيرية، وتغليب لغة العنف بديلا عن منطق الحوار والتسويات.

القضية الفلسطينية
على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فما يجري تصفية للقضية الفلسطينية، حيث وصلت الأمور الى ذروة التأزم مع فشل المفاوضات المباشرة. فالتعنت الإسرائيلي وجّه ضربة قاسمة للجهود الدولية الرامية الى إعادة إطلاق المفاوضات ومع تمسك إسرائيل بمواصلة الاستيطان وعجز الولايات المتحدة وتراجعها عن الوعود التي أطلقتها في هذا الخصوص، أصبح احتمال انفجار الوضع برمته واردا بقوة. ففشل الدبلوماسية ظلّ يؤدي دائماً إلى الحرب.
ويمكن رصد عدد من المؤشرات الإسرائيلية المهمة، إذ دخلت القوات الإسرائيلية في العديد من المناورات والتدريبات المكثفَة، خلال الفترة الماضية.
وتبقى إمكانية تقديم إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لمبادرة جديدة للسلام وفرضها على الطرفين صعبة للغاية، لأن الرئيس أوباما أصبح مكبّل اليدين بفعل التغيرات التي أنتجتها انتخابات الكونغرس.
أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني، فمن غير المرجح أن يتم تحقيق أي تقدم على خط المصالحة بين حركتي فتح وحماس. فكلا الطرفين يرتبطان بجهات إقليمية (كما هي الحال في لبنان)، ولا يبدو أن التقارب وارد حاليا.

المحكمة والسيناريوهات
ويبقى لبنان البلد الأضعف والأكثر هشاشة وقابلية لكي يكون ساحة لحروب الآخرين على أرضه. ويشكل موضوع المحكمة الدولية والقرار الظني المرتقب صدوره عنها عنصر تفجير قوي في الوقت الراهن. وهناك سيناريوهات تتوقع توجيه الاتهام الى عناصر من حزب الله في حادثة اغتيال الرئيس الأسبق رفيق الحريري وسط توقعات بأن تكون للقرار ارتدادات على مجمل الأوضاع الداخلية، كما من المرتقب أن ينعكس توترا مذهبيا تمتد خطورته الى المنطقة ككل. وهذا ما دفع السوريين والسعوديين الى التحرك في محاولة لضبط الأوضاع ومنع أي اهتزاز أمني لتجنب انعكاساته الإقليمية.
ولا أحد يعرف الى أين ستقود الجهود السورية ـ السعودية لتسوية الأزمة التي استنزفت الدولة ومؤسساتها ومقومات الاقتصاد وأصابت حكومة الوحدة الوطنية الهشة بالشلل.
وجاءت استقالة وزراء المعارضة وانهيار حكومة الحريري ليضعا البلاد ربما أمام واقع جديدة بعد ثبوت فشل الجهود العربية لاحتواء الأزمة، مما يهدد بغرق البلاد في مخاطر صراع خطر، على غرار أزمة مايو عام 2008. وهناك مخاوف حقيقية من إعادة استخدام لبنان كساحة للصراع الدولي والإقليمي.
وقد ينزلق لبنان الى صراع مع إسرائيل، إما في مواجهة مباشرة أو في إطار حرب أوسع قد تمتد الى إيران.